في متجر الألعاب المزدحم، وقف "خالد" الأربعيني ببدلته الرسمية وهيئته الوقور، أمام رفّ الطائرات الورقية الملونة. تردّد طويلاً، ونظر حوله ليتأكد ألا أحدَ يراقبه، ثم مدّ يده ليُمسك بواحدة.
في تلك اللحظة، لم يكن خالد يفكر في ابنه، بل كان يتفحص ملمس الورق الذي حُرم منه وهو في العاشرة، حين كان يقضي يومه في مساعدة والده بالمتجر، بينما يمر أصدقاؤه من أمامه وهم يطاردون الريح.
ليس خالد حالةً استثنائية ولا وحيدة، فيمكن أن نجد كثيرين غيره، ممّن كبروا قبل الأوان، ليقرروا لاحقًا بخجل أن يعيشوا طفولتهم القديمة.
هناك أطفال يقضون طفولتهم يحلّون مشاكل والديهم، وتحملوا مسؤوليات لا تناسب أعمارهم، وهو ما يُطلق عليه "الطفل الوالدي"، وهي حالة تنعكس فيها الأدوار داخل الأسرة ليؤدي الطفل دور الحامي أو البالغ المنقذ.
وأقرب مثال على ذلك، أولئك الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم السنوات العشر أو أكبر قليلًا، لكنهم يطبخون لإخوتهم الصغار ويراجعون دروسهم وينظمون مواعيدهم، لغياب الأب أو الأم، أو لعدم قيامهما بأدوارهما أحدهما أو كليهما، لأيّ سبب. هؤلاء الأطفال لا يلعبون بالمكعبات ولا يرسمون، بل يتولون مهام أصعب بكثير، لتدبير شؤون المنزل أو رعاية الصغار.
وعلى جانبٍ آخر، نجد أطفالًا استيقظ وعيهم على خلافاتٍ زوجية حادة، مما يدفع أحد الأبوين إلى أن يتخذ من الطفل "مستشاراً" يفضفض له همومه. يجلس الصغير لساعاتٍ يحاول تهدئة الوضع، متحمّلًا عبء علاقة معقدة وهو لا يدرك بعد معنى "الزواج". هذا الحِمل الثقيل يغتال براءته، ويجعله يشعر بالذنب إذا فشل في حل المشكلة، أو في رسم الابتسامة على وجوه والديه.
مثل هؤلاء الأطفال يكبرون وهم يعتقدون أن اللعب "تضييع وقت" أو "فعل سخيف". يظنون أنهم مسؤولون عن كل شيء، مما يجعلهم يجدون صعوبةً بالغة في طلب المساعدة من الآخرين لاحقًا.
ورغم ذلك، ففي بعض الحالات، يمكن أن يكتسب الطفل بعض المزايا الشخصية، كالقدرة على التفكير الناضج أو المبتكر خارج الصندوق، وعلى التكيف والاستقلالية والقيادة. لكن يبقى من الضروري النظر لهذه "الإيجابيات" بحذر، والانتباه للثمن الذي يمكن أن يكون الطفل قد دفعه بصمت مقابل ذلك.
لذا، إذا رأيتَ رجلاً ذا شارب كثيف يجلس بوقارٍ في الحديقة، ثم فجأة بدأ يطارد فقاعات الصابون بكلّ حماس، أو سيدة في سن النضج تشتري "علبة ألوان" لتلوّن بعض الرسومات بكل بهجة، فلا تظن أنهم فقدوا عقولهم.
كلّ ما في الأمر أن "الطفل الداخلي" لديهم قرر أخيرًا الاستقالة من منصب "المدير العام" بكلّ مسؤولياته وأثقاله، فالحياة قصيرة جداً لتقضيها وأنت تمثل دور الشخص الناضج طوال الوقت. اذهب واشترِِ تلك الطائرة الورقية يا خالد، دون قلق أو خوفٍ من مراقبة أحد.