طبلة عم منصور

تصميم: محمد صلاح

Written By رنا محمد
2026-02-28 21:25:27

في زقاقٍ ضيّق يفوح برائحة رمضان، تَرفرف فيه الزينة الملوّنة، تحت ضوء قمرٍ ناعم، كأنها تتنفّس الليل وهدوءه، كان الصمت يفرض هيبته على المكان، لا يقطعه سوى وقع خطواتٍ وئيدة، تعرف الزقاق جيّدًا.

ومن قلب العتمة، خرج عم منصور، ذلك الرجل السبعيني، قمحيّ البشرة واضح الملامح رغم التجاعيد، شخصٌ اعتاد السهر أكثر من النوم، ينسدل على جسده النحيل جلباب أبيض واسع بهت لونه قليًلا، لا من الإهمال بل من العِشرة الطويلة مع ليالي رمضان.

وعلى خَصْره حزامٌ جلديّ عتيق متشقّق الأطراف، تتدلّى منه طبلته الصغيرة المستديرة المشدودة بجلدٍ مُصفرّ يحمل آثار السنين، وفي يده عصا دقيقة، مصقولة من كثرة الاستخدام، كانت  بمجرد أن تلامس جلد الطبلة بيد عم منصور، قادرةً على إيقاظ الزقاق بأكمله.

وقف عم منصور في منتصف الحارة، وضرب دقّاته الثلاث السحرية:

تات… ترا را… تات… ترا را

كانت هذه الدقّات إعلانَ حياة، ففي ثوانٍ معدودة تدبّ الروح في النوافذ الخشبية، فتُفتح الواحدة تلو الأخرى، وتطلّ منها رؤوس الأطفال بوجوهٍ محتقنة من النوم، لكن بعيون متلهفة، انتظارًا لصوت عم منصور الرخيم، وهو يصدح: اصحَ يا نايم وحّد الدايم رمضااااااااااااااااان كريم.

كان عم منصور يعرف أسماء أطفال الزقاق، اسمًا اسمًا، فكان ينادي على كل طفل وكأنه يغرس في قلبه بذرة فرح، ليجعل الجميع يصحو منتشيًا من أجل السحور.

لكن في إحدى الليالي، وبينما يدخل عم منصور الزقاق بوقاره المعهود، رأى أضواء غير مألوفة منبعثة من خلف الزجاج، وقبل أن يرفع عصاه شعر بهواء ثقيل، وبضجيجٍ إلكتروني خفيّ يتسلّل من شقوق الأبواب، وبمجرد أن استعدّ لرفع عصاه، انطلقت أصوات جماعية ميكانيكية من كل بيت في آنٍ واحد، كانت أصواتًا حادّة رتيبة متشابهة، تخلو من أي ملمحٍ بشريّ:

بيب… بيب… بيب

كانت المنبّهات الرقمية قد أعلنت انتصارها البارد قبل وصوله، توقّف عم منصور والدهشة تعقد لسانه، رفع يده ليدقّ على طبلته كما اعتاد، لكنه تردّد للمرة الأولى في حياته، وتساءل في صمت:

هل يجرؤ صوتي البشري الدافئ المُنهك من تعب السنين، على منافسة هذه الصرصرة؟!

غمره قلقٌ واهنٌ وجفّ ريقُه من مرارة الاستغناء! كانت لحظة انكسارٍ كبيرةً، تقدّم بخطواتٍ مرتجفة محاولًا أن يضرب طبلته، لكن أصوات المنبّهات كانت تملأ الزقاق، كأنها تقول له: ارحل فقد انتهى زمانك.

رفع بصره نحو النوافذ، لعلّه يجد مَن ينتظر دقّته المعتادة، لكنه بدلًا من ذلك، رأى عبر الزجاج طفلًا يقوم من سريره، يضغط على المنبّه ببرودٍ تام، بلا أي ابتسامةٍ أو حماس وكأنه جسد بلا روح.

حينها أدرك عم منصور أن الجميع كانوا مستيقظين، لكن دون روح مفتوحي الأعين، لكن دون حياة في وجوههم، هنا أيقن أن وجوده صار عبئًا، وأنه لم يعد له مكان وسط صمت الحداثة.

فها هو المنبّه قد انتصر، لا لأنه الأدفأ بل لأن الناس في زحام العصر اختاروا الآلة، وبدمعةٍ محبوسة في مآقيه، مسح منصور بيده على جلد طبلته وأخذ يتراجع بظهره، وهو ينظر إلى الزقاق نظرة الوداع الأخير، هامسًا لنفسه بكلمات خنقتها العبرات:

ناموا يا أحبابي 

فقد استيقظت المنبّهات، وبقي الزقاق كئيبًا بلا صدى.

وغادر الزقاق يجرّ أذيالَ خيبةٍ لا تداويها السنون، تاركًا خلفه منبّهات ترنّ في كلّ زاوية، لكنها أبدًا لن تنطق باسم طفل، ولن تمنح الزقاق ذلك الصدق الدافئ الذي كان يسكن صوته.

رحل عم منصور، وبقيت الروح غائبةً خلف جدران صامتة، بعد أن انطفأ آخرُ نداءٍ كان يربط الناس بالسحور.