حلم سمير

تصميم: محمد صلاح

Written By نورهان عبد الرحمن
2025-06-01 19:21:13

كان سمير، شاب في أواخر العقد الثاني من عمره، طموح بشكل يثير الضحك أحيانًا، وشغوفًا بتجربة كل شيء لدرجة الجنون، لكن فضوله الأكبر كان متوجهًا نحو تجربة شعور الحيوانات، وبالتحديد الأضاحي، مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، بدأ يفكر بتعابير وجه مضحكة، هل تشعر الأضاحي بالخوف؟ أم أن الأمر بالنسبة غير مفهوم؟، الأفكار كانت تتطاير في عقله كفشار محترق.

في صباح أحد الأيام، بينما كان سمير يساعد والده في مزرعة الحيوانات، (عادة ما كان يعيق العمل أكثر مما يساعد)، لمح نعجة تنظر إليه بنظرات غريبة، نظر إليها سمير للحظة، ثم قال بابتسامة واثقة بالنفس أكثر من اللازم: يا لكِ من نعجة معجبة! أعلم أنني وسيم، وجميل، وجذاب، لا داعي للتحديق هكذا.

لكن نظرات الخروفة لم تتغير، بل زادت حدة وكأنها تقول: أأنت مجنون يا هذا! 

لكن سمير، كعادته، لم يعطى الأمر أي انتباه، وذهب ليكمل عمله، في مساء ذلك اليوم، كان سمير مستلقيًا على سريره، وعقله لا يزال يعج بتساؤلات النعجة، فجأة، تذكر نظراتها الحادة وتساءل: لماذا كانت تنظر إليّ هكذا؟ هل اكتشفت سر جاذبيتي الخارقة؟ أم أنها ذابت من كثرة وسامتي؟

ظل يفكر ويتقلب حتى غلبه النعاس.

في صباح اليوم التالي، استيقظ سمير ليجد نفسه مكبلًا بسلسلة حديدية! نظر حوله بذعر كوميدي ووجد أنه في حظيرة الخراف في مزرعة والده، كادت الصدمة أن تحوله إلى تمثال من الشمع.

 ماذا يحدث؟هل أنا في فيلم رعب من بطولتي؟ حاول التحرر من السلسلة، لكنه صعق مرة اّخرى، أين يداي؟ أين ساقاي؟ وما هذا الفرو الأبيض الذي يكسوني؟ لحظة... أنا... أنا أصبحت خروفًا! يا للهول! كيف حدث هذا؟" صرخ، لكن صرخاته خرجت بصوت "ثغاء"، ظل يصيح "بااااء.باااء" وبنبرة مذعورة.

 

نظرت إليه باقي الخراف بفضول ودهشة، ولكن يبدو أن الفكرة أعجبتهم، فبدأوا يصرخون هم أيضًا، وتحولت المزرعة إلى حفلة ماء... ماء صاخبة، فجأة وصل الأب وابنه سمير (الانسان) إلى المزرعة ليروا ماذا حدث، نظر سمير الخروف إلى جسده الصوفي بفزع. كيف... كيف حدث هذا؟ ومن هذا الذي يقف أمامي؟ أليس هذا... أنا؟.

نظر إليه سمير (الإنسان) بابتسامة ساخرة وقال: هل عجبك شكلك الجديد أيها الإنسان الأحمق؟

 نظر سمير الخروف إلى ذلك الشخص الواقف أمامه بتعجب وشلل تام في التفكير،من هذا؟ وكيف... كيف احتل جسدي؟

 تمتم  سمير الخروف بتلك الكلمات فى صدمة حقيقة.

قال سمير (الإنسان): ألم تتذكرني؟

 نظر إليه سمير الخروف في ذهول وتذكر شيئًا ما فجأة، وقال برعب: أنت... أنت الخروف الذي رأيته أمس؟ 

ضحك سمير (الإنسان) وقال: ذاكرتك جيدة بالنسبة لخروف.

قال سمير الخروف: ولكن... ماذا حدث وكيف حدث؟

قال سمير (الإنسان) ببرود: لقد تحققت أمنيتك، ألم تكن تريد أن تشعر بما تشعر به الخراف؟

 نظر سمير الخروف في دهشة وقال: ولكنني لا أريد أن أصبح خروفًا! أريد أن أعود كما كنت! ضحك سمير (الإنسان) وقال: عش أيها الخروف في سلام... وداعًا، وتركه وذهب وهو يقهقه.

كاد سمير الخروف يموت من الرعب، لقد أصبح فعلًا خروفًا! يا إلهي! هذه كانت أمنيتي؟ أن أصبح مجرد كائن يأكل ويشرب بلا متعة؟

مرت الأيام، وسمير الخروف لم يعد يستطيع التحمل، أصبحت حياته مملة بشكل لا يطاق: أكل العشب، شرب الماء، ونظرات الخراف الفارغة، يا إلهي! كم كنت أحمق! أريد أن أرجع كما كنت! لكن القدر كان له رأي آخر،  بعد يومين، سيحل عيد الأضحى، وسيتم اختيار أحد الخراف للتضحية بها، وقف سمير الخروف مصدومًا، كيف نسيت هذا؟ يا إلهي! نهايتي ستكون الذبح والأكل! صرخ، لكن صرخاته كانت مجرد همهمات خروف بائسة.

حاول سمير الخروف الهروب، لكنه كان أبطأ من سلحفاة تحاول اللحاق بقطار، فجأة، ظهر أمامه سمير (الإنسان) وقال بسخرية: تحاول الهرب أيها الخروف؟ قال سمير الخروف بصوت مبحوح: اتركني أيها الأحمق! بعد يومين عيد الأضحى، ولا أريد أن أكون الوجبة الرئيسية على مائدة عائلتي!

ضحك سمير (الإنسان) وقال: هذه هي حياتك الآن. استسلم لقدرك، وأمسكه وأدخله عنوة إلى الحظيرة، وحبسه قائلًا: عش هذين اليومين المتبقيين... ثم إلى اللحم المفروم! وضحك ضحكة شريرة.

 

تكررت محاولات سمير الخروف للهروب، لكنها كانت تنتهي دائمًا بفشل ذريع، لم يتبق سوى يوم واحد على الكارثة، دخل عليه سمير (الإنسان) وقال بابتسامة خبيثة: غدًا هو العيد! غدًا هو يوم موتك أيها الخروف التعيس! هل استمتعت بحياتك القصيرة؟

 

قال سمير الخروف باكيًا: لا أريد الموت هكذا!

 

 تركه سمير (الإنسان) مقيدًا وقال: "لقد وقع عليك الاختيار أيها الإنسان الخروف أتمني لك حياة سعيدة.

وقيده بسلسلة سميكة حتى لا يتمكن من الهرب، جاء اليوم الموعود، في صباح ذلك اليوم، دخل والد سمير إلى المزرعة ليختار الأضحية، ظهر سمير (الإنسان) من خلفه وقال: وجدت هذا الخروف يا أبي! يبدو سمينًا ولذيذًا!

نظر سمير الخروف إلى والده بعيون دامعة وهو يصرخ: يا أبي! أنا ابنك! هذا ليس ابنك! هذا... هذا أنا! لكن كالعادة، لم يخرج منه سوى ماء... ماء... حزين.

 

أخذه الأب ليتم تجهيزه للعيد، حاول سمير الخروف الهروب بكل قوته، ونجح بالفعل في فك السلسلة! يا لها من فرحة عارمة! ركض وركض وركض، لكن المفاجأة المضحكة كانت أن قدره (سمير الإنسان) ركض خلفه أيضًا! وجرى وجرى، ولكن لسوء حظ سمير الخروف، تم الإمساك به مرة أخرى.

قال سمير الخروف بغضب هستيري: اتركني! اتركني أيها المجنون! 

لكن سمير (الإنسان) ضحك وقال: كيف أتركك ويوم موتك قد حان يا عزيزي؟ لا تقلق، سآكل كل قطعة لحم منك! وضحك ضحكة سخيفة، وأخذه إلى مكان الذبح.

ذهب سمير الخروف ليحتضن قدم والده للمرة الأخيرة، وقد استسلم لمصيره، هذا ما كنت أحلم به... هذا هو الشعور الذي أردته... يا إلهي... لقد انتهى بي الأمر وأنا في جسد خروف هالك، حانت اللحظة، واستعد الإخوة لذبح الخروف، ولكن حدث ما لم يتوقعه أحد…

فجأة، وبينما كان السكين يلمع في الشمس، انطلق صوت غريب! ليس باء باء، بل صوت بشري واضح! توقفوا! ماذا تفعلون؟ هذا أنا، سمير!

تسمر الأب والإخوة في مكانهم، وعلامات الذهول ترتسم على وجوههم، نظر الأب إلى الخروف الذي يتحدث بذهول تام وسأل: سمير؟ هل هذا صوتك؟ ما الذي يحدث هنا؟

بدء سمير الخروف يروي قصته الغريبة بتلعثم وخوف، شارحًا كيف تمنى أن يشعر بما تشعر به الأضاحي، وكيف وجد نفسه فجأة في هذا الموقف الكارثي، لم يتمالك الأب والإخوة أنفسهم من الضحك الهستيري على هذه الحكاية العجيبة.

وبينما كانت ضحكاتهم تتعالى، بدأ جسد الخروف يتوهج بنور خفيف، شيئًا فشيئًا، بدأ الفرو الأبيض يختفي، ليحل محله جلد سمير البشري المعتاد، وفي الوقت نفسه، بدأ يظهر خروف آخر بجانبه، خروف بني اللون ينظر حوله بتعجب.

 

فجأة، وجد سمير نفسه مستلقيًا على سريره في غرفته! فتح عينيه ببطء ونظر حوله في دهشة، كانت الشمس تشرق من النافذة، وكل شيء يبدو طبيعيًا، نهض وجلس وهو يشعر بالارتباك.

 

في هذه اللحظة، دخل والده الغرفة وهو يضحك بشدة، تبعه إخوته وهم يمسكون بطونهم من كثرة الضحك.

قال الأب وهو يمسح دموعه من أثر الضحك: يا لك من حالم مجنون يا سمير! لقد كنت تتمتم بكلام غير مفهوم طوال الليل عن الفرو والماء والذبح!

نظر إليه إخوته بابتسامة ساخرة وقال أحدهم: يبدو أنك قضيت عيد أضحى مبكرًا في أحلامك!

شعر سمير بالخجل الشديد وهو يستوعب ما حدث، لقد كان كل شيء مجرد حلم! لكنه كان حلمًا واقعيًا ومخيفًا بما يكفي لتعليمه درسًا لن ينساه أبدًا.

ضحك سمير بخجل وقال: حسنًا... يبدو أن فضولي أخذني في رحلة غريبة هذه المرة.

قال الأب وهو يربط على كتفه: الأفضل لك أن تبقى في عالم البشر يا بني. عالم الحيوانات قد يكون ممتعًا في الأحلام فقط.

في ذلك اليوم، احتفلوا بعيد الأضحى بفرح وسرور، وكان سمير هو أكثرهم امتنانًا لعودته إلى جسده البشري، لقد تعلم درسًا قيمًا عن خطورة الأمنيات الغريبة وأهمية الرضا بما يملكه، وفي كل مرة كان يرى فيها خروفًا، كان يتذكر حلمه المضحك والمرعب، ويضحك عليه مع عائلته، شاكرًا أنه لم يصبح وجبة عشاء فاخرة بالفعل!