فرقة الموسيقى العربية مهددة بالاعتزال.. الجنوب يفقد صوته

فرقة الموسيقى العربية

Written By رحمة أشرف
2025-06-21 10:00:04

تحت أضواء خافتة ومراوح تصارع حرّ الصعيد، يقف العازفون في قاعة صغيرة داخل مركز شباب توشكى بمحافظة سوهاج، تصدح الأوتار كأنها تذكّر العابرين بأن الفن لا يشيخ. هنا، تقف فرقة الموسيقى العربية حيث كانت تتدرب على مدار أكثر من 28 عامًا تعزف ألوانًا مختلفة من الفن، في محاولة مستمرة للحفاظ على روح الطرب الأصيل.

تعود البدايات إلى عام 1997، حين وُلد الحلم في قلب قصر ثقافة سوهاج، بقيادة المدرب حمادة الشاذلي،  كانت الفرقة آنذاك مجموعة من الحالمين، جمعهم شغف الطرب الأصيل، وإرادة أن يُسمع صوت الصعيد في ساحة الموسيقى العربية.

"كان الحلم بسيطًا أن يعرف الناس أن في سوهاج أصواتًا تحفظ المقامات كما تحفظ أنفاسها، وأن يُقال يومًا إن الجنوب غنّى فسمعته القاهرة"، يقول الشاذلي، بابتسامة من عاش نصف عمره بين النوتات.

اعتزال قريب

تتجه فرقة الموسيقى العربية حاليًا نحو الاعتزال والاندثار، بسبب قلة الإمكانيات المادية التي توفرها قصور الثقافة، حيث أصدرت بيانًا في مايو الماضي، استغاثت فيه من الإهمال الشديد الذي تتعرض له على المستويين المعنوي والمادي.

وقالت في البيان: "يُثير الوضع الحالي تساؤلات جدية، فمنذ عام 2014 وحتى الآن، يبلغ أجر البروفة الواحدة 15 جنيهًا فقط، بينما لا يتجاوز أجر العرض 40 جنيهًا، الأدهى من ذلك، ينتظر أعضاء الفرقة كل عام من شهر يوليو حتى مارس التالي دون صرف مصروف الجيب الشهري، والذي لا يتعدى 150 إلى 200 جنيه".

وتابع البيان: "ورغم هذه الظروف القاسية، يُطلب من الفرقة أن تكون على أتم الاستعداد للمشاركة في الاحتفالات الرسمية وغير الرسمية، ويُفترض منها توفير الزي الرسمي والآلات اللازمة، نرجو الاستجابة لنا حتى لا يكون مصيرنا الانسحاب".

من التأسيس إلى التفكيك

كان الشاذلي في ذلك الوقت أحد العازفين الشباب في الفرقة، يعزف على آلة الأورج بشغفٍ ينفذ إلى الأرواح، لكن الزمن لم يكن رحيمًا؛ تبدلت الأحوال وتفكك شمل الفرقة، وبدأت تتراجع تدريجيًا بين عامي 2010 و2013، حتى لم يتبقَّ منها سوى أربعة أعضاء فقط من أصل 45، نتيجة غياب الدعم والاهتمام من وزارة الثقافة وفقًا له.

ولكن في العام 2014، قرر خالد الحبشي، أحد الأعضاء السابقين، العودة إلى الفرقة بعد أن غادرها عام 2010، مبادرًا إلى إعادة هيكلتها من جديد، وتولى تدريب الفرقة رغم التحديات الكبيرة، إذ كانت الآلات الموسيقية المتبقية في حالة يرثى لها؛ معظمها أصبح غير صالح للاستخدام وتحول إلى "خردة" بفعل الزمن والإهمال، ما جعل استئناف النشاط الفني أشبه بالمستحيل.

يقول الحبشي: "خوفي على اسم محافظة سوهاج، وما تمتلكه من طاقات فنية متميزة، وحبي العميق للموسيقى العربية، دفعاني إلى إعادة إحياء الفرقة رغم كل العقبات".

بدأ الحبشي بالتواصل مع الأعضاء القدامى ممن يمتلكون خبرة فنية، وأقنع عددًا كبيرًا منهم بالعودة، وبالفعل، نجح في إعادة تكوين الفرقة، التي تضم اليوم 35 عضوًا على وشك الاعتزال الكامل نتيجة الإهمال الذي تعاني منه الفرقة.

ويشير الحبشي إلى أن الوضع المادي كان شديد السوء عند إعادة التأسيس، إذ لم يكن "مصروف الجيب" المخصص للعضو في البروفة يتجاوز 15 جنيهًا في عام 2014، في وقت كان فيه سعر كيلو اللحم يبلغ 100 جنيه، ومع تضاعف الأسعار خلال السنوات التالية، لم تُجرَ أي زيادات تُذكر.

ويضيف متسائلًا: "لدي شباب وشابات، بعضهم طلبة جامعيون، وآخرون يعملون في القطاع الخاص برواتب تصل إلى 3 أو 4 آلاف جنيه شهريًا، فكيف أطلب منهم ترك وظائفهم ليحصلوا على 130 جنيهًا فقط الآن من وزارة الثقافة؟".

نجاحات مقيدة

بفضل جهود خالد الحبشي وأعضاء الفرقة، شهدت الفرقة تحولًا جذريًا في مسارها، حيث ارتقت من التصنيف "ج" إلى التصنيف "أ"، وهو أعلى تصنيف تمنحه وزارة الثقافة للفرق الموسيقية التابعة لها، هذا الإنجاز فتح أمامها أبواب المشاركة في كبرى الفعاليات والمهرجانات على مستوى الجمهورية.

بدأت الفرقة في ملء المسارح وإحياء الحفلات في مختلف المحافظات، وكان لها حضور لافت في عدد من المناسبات الوطنية والثقافية، من بينها عيد الشرطة، عيد العمال، عيد الأم، والعيد القومي للمحافظة، بالإضافة إلى مشاركتها في احتفالات نصر أكتوبر.

كما شاركت الفرقة في فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، والعروض الرمضانية في شارع المعز، إلى جانب تقديمها عروضًا فنية في منطقة روض الفرج، وسهرات ثقافية داخل قصر السينما بالقاهرة، مما عزز مكانتها كأحد أبرز فرق الموسيقى العربية التابعة لوزارة الثقافة. 

كانت لحظة الذروة في عام 2019، عندما لفتت الفرقة أنظار الهيئة العامة لقصور الثقافة التي أدركت قوة أدائها، حينها، أرسلت الهيئة دعوة للفرقة للمشاركة سنويًا في احتفالات القاهرة باسم الهيئة، وخاصة في الليالي الرمضانية، ثم توالت النجاحات.

اختيرت الفرقة لتمثيل مصر في كينيا خلال احتفالات عيد الفطر العام 2019 لمدة خمسة أيام، يصف الحبشي هذا الإنجاز بقوله: "كنا أول فرقة من الهيئة العامة لقصور الثقافة تسافر خارج البلاد، وهذا شعور لا يوصف، قدّمنا عرضًا نال إعجاب الجميع، والوزارة نفسها كتبت تقارير مديح في أدائنا".

وكانت آخر محطات النجاح التي حققتها الفرقة مشاركتها المتميزة في "ملتقى كوكب الشرق للموسيقى والغناء" في محافظة أسيوط 2025، والذي خُصص لإحياء ذكرى سيدة الغناء العربي أم كلثوم. 

وجاءت مشاركة الفرقة في الحفل الختامي الرسمي للمهرجان بناءً على ترشيح من إدارة الموسيقى بالهيئة العامة لقصور الثقافة، بعد أن أثبتت جدارتها الفنية في العديد من الفعاليات السابقة، ورغم ذلك تحملت الفرقة نفقات السفر كاملة.

تميز أداء الفرقة خلال الحفل بإتقانٍ عالٍ ولافت، نال إعجاب الحضور، الذين أشادوا بجودة العزف وروعة الأصوات، ما عزز من مكانتها كأحد أبرز الفرق الموسيقية على الساحة الثقافية.

رغم هذا النجاح، واجهت الفرقة تحديًا جديدًا في العام التالي، إذ أُغلق قصر ثقافة سوهاج وهو مقرها الدائم في العام 2020 بسبب أعمال الترميم والإصلاح، لتجد الفرقة نفسها بلا مقر ثابت من يومها حتى الآن.

واضطرت خلال تلك السنوات إلى التنقل من مكان إلى آخر لإجراء بروفاتها، في ظروف تزداد صعوبة مع كل انتقال، حيث تفتقر الأماكن البديلة للتجهيزات الأساسية اللازمة للعمل الفني.

يقول الحبشي، أحد الأعضاء، أنهم تدربوا في مركز شباب توشكى، وهو مكان غير مؤهل تمامًا للفن؛ إذ يفتقر إلى مسرح أو صوتيات مناسبة، والمكان في الأساس مخصص للرياضة لا للنشاط الفني.

"نُطلب لتقديم عروض في نوادٍ وبيوت لا توجد بها مقومات فنية، لا كهرباء، لا مقاعد، لا احترام للفرقة ولا للفن، الأمر مهين"، يصف الحبشي الوضع المحبط.

تسرب أعضاء الفرقة

لا يتوقف الأمر عند غياب المكان فحسب، بل يمتد إلى غياب الدعم المالي واللوجستي، تؤكد شهادات أعضاء الفرقة أنهم لم يتلقوا آلات موسيقية أو زيًا رسميًا منذ سنوات من وزارة الثقافة.

يقول الحبشي: "نرسل طلبات سنوية إلى الهيئة العامة لقصور الثقافة تتضمن احتياجات بسيطة مثل الزي الرسمي والآلات الموسيقية عن طريق خطاب رسمي، ولا شيء يحدث بعدها".

رويدًا رويدًا، بدأ أعضاء الفرقة يتسربون منها، بحثًا عن فرق أخرى تقدر فنهم وجهدهم، من بين هؤلاء أحمد يونس، عضو سابق في الفرقة، الذي يصف قراره بتركها قائلًا: "تركت الفرقة لأن الاستمرار كان خسارة وقت وجهد بالنسبة لي بدون أي مردود، ولا يوجد أي مظهر من مظاهر الدعم".

يضيف يونس، بلهجة تعكس مرارة التجربة، أن غياب التقدير الفني كان هو الدافع الأساسي لرحيله: "في الأفراح أحصل على ألفي جنيه في اليوم الواحد، أما في الوزارة أحصل على 100 جنيه فقط، والآن أنا أحصل على أضعاف ما كانت تقدمه لي الوزارة حيث أعمل مع فرق فنية بشكل حر".

لم تكن الأزمة في الجانب المادي، بل في ما وصفه يونس بـ"الكرامة الفنية"، إذ يوضح أنه لم يكن يبحث عن مكافآت مالية بقدر ما كان يطمح إلى ممارسة الفن في بيئة تحترم الفنان وتقدّر فنه. 

لكن الواقع كان مغايرًا تمامًا؛ إذ لم يكن هناك مكان مخصص للتدريب أو العروض، ولا ملابس لائقة تُمنح للأعضاء، ولا حتى آلات موسيقية صالحة للاستخدام.

هذا الإهمال المستمر جعله يشعر بأن ما يُقدَّم من فن لا يُقابَل بالاحترام الذي يستحقه، وكأن الجهد المبذول يضيع في فراغ لا يعترف بقيمة الفن أو كرامة من يقدمه.

أما منتصر فاروق، أحد عازفي الفرقة، يروى معاناته مما يصفه بـ"الإهمال الكامل" من الجهات الثقافية الرسمية، منذ انضمامه إلى الفرقة قبل نحو ثمانية أشهر، لم يتقاضَ سوى أجر واحد فقط، رغم التزامه المستمر بالبروفات والعروض.

لم تقتصر معاناته على غياب الأجر، بل امتدت لتشمل تحمّله، شأنه شأن باقي أعضاء الفرقة، كلفة شراء وصيانة الآلات الموسيقية، إلى جانب مصاريف التنقل والزي الرسمي، الذي كان من المفترض أن توفره وزارة الثقافة.

يقول منصر: "عندما انضممت، كنت أظن أن هناك دعمًا حقيقيًا من وزارة الثقافة، لكنني اكتشفت أن الفرقة تُدار بدون رعاية رسمية، لذا أفكر في مغادرة الفرقة منذ أكثر من شهر، نتيجة تفاقم الأزمة وغياب أي أفق للحل".

ويختتم حديثه بأسى: "ما يحدث لا يليق أبدًا بفنانين يمثلون وجه الثقافة في واحدة من أعرق محافظات الصعيد".

قرار يونس باعتزال الفرقة، يراود الآن منتصر والحبشي وبقية الأعضاء، إذ يرى الأخير أن قرار الاعتزال الفني ليس أمرًا عاطفيًا فقط، بل خيارًا مؤلمًا نابعًا من شعور جماعي بعدم الجدوى من المحاولة: "كل عام نُرسل ورقة احتياجاتنا للزي الرسمي والآلات ومكان ثابت نقدم فيه العروض ونتدرب ومرتبات عادلة لكن دون جدوى".

في ظل هذه المعاناة، رفع الحبشي مذكرة إلى رئيس إقليم وسط الصعيد الثقافي ومقره في محافظة أسيوط، لكونه المشرف على النشاط الثقافي في 4 محافظات، وهي المنيا، الوادي الجديد، أسيوط، وسوهاج، مهددًا بحل الفرقة وإنهاء وجود فرقة موسيقى عربية في سوهاج، يوضح الحبشي: "المذكرة كان محتواها إما أن ينقذوا الفرقة، أو حلّها نهائيًا، عايزين مقر نتمرن فيه، زي رسمي يمثلنا، واعتراف حقيقي بأننا مش فُرجة، إحنا فن".

تواصلنا مع وزير الثقافة، الدكتور أحمد هنو، للاستفسار عن الخطوات التي تعتزم الوزارة اتخاذها لمنع اعتزال فرقة الموسيقى العربية في سوهاج، لكنه نفى علمه بالأمر، مؤكدًا أنه لم يتلقَ أي مذكرة أو بيان رسمي بشأن الوضع الراهن للفرقة أو تهديدها بالتوقف.

وقال الوزير في تصريح لـ"أهل سوهاج": "لم تردني أي مذكرة أو بيان رسمي بخصوص هذا الأمر، وإن وصلني بيان رسمي، سنتخذ الإجراءات اللازمة على الفور".

خفتت أنوار المسرح، وبقيت الآلات ساكنة في زوايا القاعات، بينما ظل يونس يطارد حلمًا هشًا، تتآكله الأيام في غياب "الكرامة الفنية"، لا يزال خالد الحبشي يقاتل وحده، ممسكًا بخيوط الفرقة المتناثرة.

 

 

 

 

 

 

 

فرقة الموسيقى العربية