"رامز" في رمضان.. ترفيه أم انحدار بالذوق العام؟

تصميم| محمد صلاح

Written By نور الله أشرف عطية
2026-03-04 12:03:27

مع حلول شهر رمضان المبارك، تتغيّر خريطة المشاهدة التلفزيونية في البيوت المصرية والعربية، إذ تجتمع الأسر في أثناء الإفطار وبعده بحثًا عن محتوى ترفيهي يخفف من عناء اليوم، ويلائم التجمع الأسري خلال الشهر الكريم، ومن بين أشهر هذه النوعية من البرامج يأتي برنامج المقالب الذي يقدمه رامز جلال، كموعدٍ ثابت على الشاشات، منذ سنوات، مثيرًا جدلًا سنويًا حول طبيعة هذا المحتوى وتأثيره على الجمهور، جدلٌ تجدد هذا العام من أولى حلقات "رامز ليفل الوحش". 

عقب الحلقة، التي كانت ضيفتها الفنانة أسماء جلال، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بضجةٍ واسعة. لم تكن تلك الضجة بسبب المقلب في حدّ ذاته، بل بسبب المقدمة التي سجّلها رامز، واعتبر قطاعٌ كبير من الجمهور والخبراء أنها تتضمن تجاوزًا لا ينبغي أن يمرّ، السخرية المباشرة والتنمّر على ملامح الفنانة وإطلالتها، مما دفع الضيفة لاتخاذ إجراءات قانونية ضد البرنامج لاحتوائه على ما وصفته بإيذاء معنوي وإساءة شخصية.

​من "قلب الأسد" إلى "ليفل الوحش"

بدأ رامز جلال سلسلة برامجه في عام 2009 ببرنامج "رامز حول العالم"، الذي قدّم منه موسمين، ولكنه لم يحقق نسب المشاهدات التي حققتها برامج المقالب التي قدّمها لاحقا، بدءًا من عام 2011 ببرنامج "رامز قلب الأسد"، لتتطور الفكرة من مقالب بسيطة إلى إنتاجاتٍ ضخمة تعتمد على تكنولوجيا هوليوود والمواقف المرعبة، مستمرًّا في تقديم برامجه حتى العام الحالي.

 وتنوّعت أفكار المواسم بين الرعب والمغامرات والمواقف المفاجئة، لكنّ القاسم المشترك كان دائمًا عنصر الصدمة وردود أفعال الضيوف، ومع مرور السنوات، تحوّل البرنامج إلى "موعد رمضاني" ينتظره البعض، بينما يرفضه آخرون لافتقاده للرسالة الإيجابية.

تعتمد برامج رامز على عنصر الصدمة، من خلال وضع الضيوف في مواقفَ مفاجئةٍ توحي بالخطر، ثم البناء على ردود أفعالهم بالخوف أو الانفعال، في إطارٍ من السخرية الحادة. وبرغم النجاح الجماهيري الذي تحققه هذه البرامج ونسب المشاهدة المرتفعة، فإنها تطرح تساؤلًا كل عام في أذهان الجمهور الواعي حول مدى ملاءمتها لخصوصية شهر رمضان وقيمه.

الضحك على الرعب؟

فلم يعد الأمر مجرّد مقلب عابر، بل تحوّل إلى سيناريوهات تحبس الأنفاس. أتذكّر جيّدًا حلقة الفنانة آثار الحكيم في "رامز قرش البحر" عام 2014، التي وصلت إلى ساحات القضاء، وصراخ النجوم في "رامز مجنون رسمي" عام 2020 وهم مقيّدون على كرسي متحرك.. ويظل السؤال إزاء هذه المواقف مطروحًا: هل من الطبيعي أن يكون مصدر ضحكنا هو رعب إنسان آخر؟

يرى بعض المتابعين أن هذا النمط من الترفيه يبتعد عن روح الشهر القائمة على الهدوء والتسامح، ويُسهم في ترسيخ ثقافة الضحك على حساب مشاعر الآخرين.

كما يشير نقّادٌ إعلاميون إلى أن الاعتماد المتكرر على التخويف والسخرية هو أسهل أنواع الجذب، لكنه الأقل قيمة فنيًا، لأنه يُلغي الإبداع ويعتمد على غريزة بدائية مثل الخوف، مما يؤدي إلى الانحدار بالذوق العام، وتقليص مساحة الترفيه الإبداعي القائم على الفكرة والرسالة.

الأطفال والمراهقون VS ترفيه لا أكثر؟

ومن الناحية التربوية، يبقى السؤال مُلحًّا حول التأثير السلبي المحتمل لهذه النوعية من البرامج على فئاتٍ عمريةٍ صغيرة قد تتلقى هذا المحتوى باعتباره سلوكًا طبيعيًا أو مقبولًا، مما يرسّخ لديهم ثقافة التنمّر والسخرية من ضعف الآخرين، ولذلك ​يرى خبراء علم النفس أن هذا المحتوى يتجاوز حدود التسلية ليصبح خطرًا تربويًّا.

في المقابل، يبرّر مؤيدو هذه البرامج استمرارها بكونها مادةً ترفيهية موسميّة لا أكثر، وأن الجمهور يمتلك حرية الاختيار، إلا أن هذا الطرح لا يُلغي مسؤولية صُنّاع المحتوى في تقديم أعمالٍ تراعي السياق الزمني والاجتماعي، خاصةً في شهر يحظى بمكانةٍ دينية وإنسانيةٍ خاصة.

تصدّر المشاهدات لا يعفي من المسؤولية

​عند المقارنة بالماضي، نجد فجوةً شاسعة فيما كان يُقدّم للجمهور. قديمًا كانت الأسر ترتبط ببرامج تقدّم الترويح والضحك دون ترويعٍ أو إيذاء ودون صراخ أو إهانة، كفوازير "نيللي" و"شريهان" التي اعتمدت على الاستعراض، و​"الكاميرا الخفية" التي كان يقدمها إبراهيم نصر واعتمدت على المفارقة الكوميدية البسيطة، وأشهر مواسمها كان شخصية "زكية زكريا"، كانت برامج المسابقات تثقّف المشاهد من خلال محتوى خفيف مثل برنامج "كلام من دهب" للإعلامي طارق علام.

​مع استمرار برنامج رامز لموسم جديد، موسم رمضان 2026، يبقى السؤال: إلى متى سيصمد هذا النمط من البرامج؟ هل يظل الترفيه القائم على الصدمة الخيار الأسهل لجذب المشاهد، أم آن الأوان لإعادة التفكير في محتوى يحترم عقل الجمهور ويتماشى مع روح الشهر الكريم، دون أن يفقد عنصر المتعة والابتكار؟

لا يزال برنامج رامز يتصدر أرقام المشاهدات، ربما بسبب الفضول البشري، لكنه يواجه تحديًا حقيقيًّا على المستوى الأخلاقي.

الجمهور الآن بات أكثر وعيًا، وما حدث في الحلقة الأولى من هذا الموسم، من استياء تجاه التنمّر على أسماء جلال، قد يكون نقطة تحول، فإما تجديد يحترم الآدمية وروحانيات الشهر الكريم، أو بداية النهاية لظاهرة استهلكت كل أوراقها، ولم يبقَ لها سوى الصراخ المصطنع.