"خيمة المدهش".. ثلاثة أشقاء ينسجون خيوط الكنافة بحكايات الزمن (قصة مصورة)

تصوير: فاطمة محمد - خيمة المدهش للكنافة

كتب/ت فاطمة محمد
2025-03-25 13:34:17

في زقاق ضيق تفوح منه رائحة السكر والزبدة الذائبة التي تأخذك إلى "خيمة المدهش"، حيث يقبع داخلها الإخوة الثلاثة "شاذلي ومحمود وعطية"، يعملون تحت ضوء المصابيح الصفراء في صناعة الكنافة اليدوية، فهم أقدم بائعيها في شارع المطار بمحافظة أسوان.

تمتد يد عطية بخبرة ليصب العجين السائل على صاج ساخن، محولًا إياه إلى خيوط كنافة دقيقة، تمامًا كما كان يفعل أجداده منذ عقود، بينما محمود يجلس خلف موقده التقليدي، مستخدمًا أدواته البسيطة، حيث يسكب العجين بحركات دقيقة، ليخرج منه خيوط الكنافة الرفيعة، بينما شاذلي يتولى خدمة الزبائن الواقفين أمامه ويتابعون بانبهار حركاتهم الدقيقة.

بداية اليوم

الرابعة فجرًا في خيمة المدهش، حيث تبدأ التحضيرات لليوم المزدحم بطلبات الزبائن، يستعد الإخوة شاذلي ومحمود وعطية، بمشاركة أبناء عمومتهم حسن وعمرو، لبدء يوم جديد في صناعة الكنافة، حيث تبدأ التجهيزات للعجين وتسخين الصاج منذ بزوغ نور النهار استعدادًا لانطلاق العمل عند أذان الظهر.

على إيقاع تواشيح الشيخ عبدالواحد المغربي المنبعثة من مكبر الصوت، تبدأ الأيدي الماهرة في صب العجين عبر "الكوز" بحركات دقيقة، ليسقط على الصاج الساخن مشكّلًا خيوط الكنافة الذهبية.

 

عملية لا تستغرق أكثر من ثوانٍ لكل "رشة"، لكنها تتطلب مهارة استثنائية وسرعة فائقة، إذ تعتمد جودة الكنافة على دقة التحكم في سمك الخيوط ومدى سخونة الصاج، في مشهد يعكس إرثًا ممتدًا من الحرفة والإتقان.

تاريخ المدهش

يعود تاريخ خيمة المدهش إلى الأربعينيات، عندما بدأ الجد عطية المدهش العمل في صناعة الكنافة، إلى جانب مهن أخرى مثل بيع الفول والطعمية وصنع حلاوة المولد. كانت الخيمة آنذاك مقصدًا لأهل الحي، حيث يجتمعون حول وهج النار، يتبادلون الأحاديث بينما تتراقص خيوط الكنافة على الصاج الساخن.

بعد وفاة الجد، واصل أبناؤه المشوار، محافظين على المهنة بحب وإخلاص، حتى جاء دور الأحفاد، الذين رغم اختلاف مساراتهم المهنية، قرروا الحفاظ على هذا الإرث كطقس رمضاني سنوي، يقول عطية: "مع كل عام، تعود خيمة المدهش لتضيء أزقة الحي برائحتها الزكية، وتعيد إحياء ذكريات زمن مضى، لكن لم يندثر".

يعتبر عطية ومحمود وشاذلي هم الجيل الثالث الذي يحافظ على هذا الإرث خلال شهر رمضان، يقول شاذلي: "نحن لا نعمل بالكنافة طوال السنة، فكل منا لديه مهنة أخرى، أنا سائق، محمود فني، عطية عامل أجري، وحسن وعمرو لديهما وظائف مختلفة، لكن في رمضان نعود جميعًا إلى الخيمة".

ورغم مرور الزمن، لا تزال بصمة الجد محفورة في ذاكرة المكان، حتى في اللافتة القديمة التي كانت تزين واجهة المحل قبل إزالته، والتي كتب عليها بروح فكاهية:"تقدم أفلام عطية المدهش بحلول شهر رمضان المبارك الراقصة المحبوبة كنافة، وأستاذ بلح الشام، والفنانة قطائف".

 وبينما فكر الأحفاد في إعادة طباعة اللافتة، وجدوا أن الاسم وحده يكفي، فهو يحمل كل الذكريات، وكأن "خيمة المدهش" ليست مجرد مكان، بل حكاية عائلية امتدت عبر الأجيال.

وقت الذروة

مع آذان العصر تصبح الكنافة جاهزة حيث تتراص أمام الخيمة صوانٍ ممتلئة بخيوطها الذهبية، تفوح منها رائحة العجين الطازج، يقف شاذلي خلف الطاولة، يقلب حزم الكنافة برفق قبل أن يضعها في الأكياس حسب طلب الزبائن.

ورغم الحداثة وانتشار الكنافة الآلية، تظل خيمة المدهش وجهة مفضلة لعشاق الأصالة. بالنسبة لـ"ميرفت عبدالله"، التي اعتادت شراء الكنافة منذ طفولتها، لا شيء يضاهي طعم الكنافة اليدوية، التي تصفها بأنها "لا تقارن بالمصنعة آليًا".

أما أحمد رجب، الذي ورث حب الكنافة اليدوية عن والده، فلا يفوّت يومًا دون أن يشتريها: "أحرص على شرائها من المدهش وتحضيرها بطريقة والدتي الخاصة، فهي وجبة أساسية على مائدة الإفطار مثلما كان يحدث في بيت العائلة منذ عقود".

نهاية اليوم

ينطلق مدفع الإفطار، ويأخذ العمال استراحة قصيرة لتناول الطعام، قبل أن يعودوا إلى مواقعهم، لزيادة الطلب على الكنافة في المساء.

تتوافد العائلات على الخيمة، يطلبون الكنافة الطازجة، ويتابعون بفضول حركة العجين المتساقط على الصاج الساخن. 

في الخلفية، تتردد أصوات المارة وضحكات الأطفال، بينما يواصل الأخوة العمل بحرفية اعتادوا عليها منذ سنوات.

ومع حلول الثانية صباحًا، تخف الحركة، لكن العمل لا يتوقف تمامًا. تُطفأ النيران، تُنظف الأدوات، وتُرص صواني الكنافة المتبقية بعناية، بينما يبقى اثنان من الإخوة في الخيمة للحراسة، وينتظر الجميع الغد حيث ستدور العجلة من جديد.

في النهار داخل ذات الزقاق الضيق، ورائحة السكر والزبدة الذائبة، تعود الحياة إلى "خيمة المدهش" مع أول ضوء للفجر، وتخبو مع آخر وهج من النار عند منتصف الليل.

تصوير: فاطمة محمد - خيمة المدهش للكنافة اليدوية