التعصب الكروي.. مرض أصاب المواطنين بالأضرار

الاثنين 11 ديسمبر 2017 04:29 م
image
صورة أرشيفية
"الرياضة أخلاق" هذا هو الشعار الذي ترفعه ملاعب كرة القدم حول العالم، لكن الشعار الجميل هذا لا يبدو كافيًا لردع التعصب، الذي تسبب في قتل أكثر من 90 مشجعًا لكرة القدم، في السنوات الخمس الأخيرة، في هذا التقرير يرصد لكم "صوت السلام"، أحداث العنف التي شهدتها ملاعب كرة القدم المصرية، وآراء عدد من مشجعي الكرة:

في الأول من فبراير سنة 2012، وقعت اشتباكات بين جمهور النادي المصري وجمهور النادي الأهلي باستاد بورسعيد، عقب انتهاء المباراة التي جمعت بين الفريقين في الدوري المصري الممتاز، فيما يعرف إعلاميا بـ"مذبحة بورسعيد"، مما تسبب في مقتل أكثر من سبعين مشجعا من جمهور النادي الاهلي وإصابة آخرين أثناء الاشتباك.

وقضت محكمة جنايات بورسعيد سنة 2015، بإعدام 11 متهما في قضية "شهداء مذبحة بورسعيد"، وعوقب 10 متهمين بالسجن المؤبد، و10 آخرون بالسجن المشدد، كما قضت على 12 بالسجن لمدة 5 سنوات، من بينهم مدير أمن بورسعيد، وعدد من رجال الأمن.

تكررت المأساة في التاسع من فبراير سنة 2015، عندما اشتبك جماهير نادي الزمالك "ألتراس وايت نايتس" مع قوات الأمن، قبل بداية مباراة الزمالك وإنبي، أمام بوابات استاد الدفاع الجوي، مما أسفر عن سقوط ما يقرب من 20 قتيلا من جمهور نادي الزمالك.

يقول "م.ع" 20 سنة، أحد شهود عيان على أعمال العنف في المباريات: "حضرت وعاصرت مظاهرات ألتراس الأهلي بعد أحداث بورسعيد وكذلك أحداث الدفاع الجوي، وتعرضت لعنف جراء تعامل الأمن مع الجماهير أثناء حضور المباريات، في فترة ما قبل الثورة، وبعد منع الجماهير أصبحت مطاردة أعضاء الألتراس أمراً اعتيادياً، حيث يتم القبض على قيادات مجموعات الألتراس في مصر تحت مسميات عجيبة لا علاقة لها بما يقومون به - حسب قوله - فبعضهم يتم توجيه اتهامات له كالتجمهر، وهذا العنف الذي نتعرض له لم يكن واضحاً في فترة حكم مبارك، لكنه كان بالطبع موجوداً، لكن غياب التغطية الإعلامية الكاملة وقت حكم مبارك منعت ظهور مثل هذه الأحداث، والعنف كان يبدأ بالتعامل مع الجماهير خارج الاستاد، وحتى أثناء التشجيع، وما حدث في استاد الدفاع الجوي هو أوضح الأمثلة، ولعل مقاطع الفيديو التي نشرت عن الحادث تؤكد ذلك.

يقول "م.ع" عن الواقعة إنه لم يكن لدينا أي حيلة، وحتى ما تم من تراشق بين الألتراس وبين الأمن كان أحد الجانبين يحمل الخرطوش، والآخر يهرول هرباً من الموت ويحمل في يده علم الزمالك وحجارة، شعرت حينها بأن تلك الدولة تقتل شبابها لأهداف كثيرة، فإبان الثورة قتلنا من أجل السياسة، وما بعد الثورة قتلنا لأن القانون لا يحمينا، وبعض أصدقائي لديهم أسر وأطفال، قبض عليهم فقط لأنهم ينتمون للألتراس، بعد أن أعلنت الدولة أن جماعات تشجيع كرة القدم هي جماعات إرهابية – حسب قوله.

وتابع: "أشعر أن الدولة تنظر إلينا بشكل مختلف تحديداً بعد ثورة يناير، أصبحت مجموعات الألتراس تبدو كقوة مقلقة، ومنذ ذلك الحين أراد الجميع كبح جماح قوتها، حيث لا تقوم قوات الأمن بتأمين المدرجات بشكل آدمي، فنحن نشعر أننا مجرمون أو كأنهم يحمون المدرجات والمجتمع منا، وليس أن يقوموا بدورهم في حمايتنا كجماهير" حسب قوله.

واختتم "م.ع" حديثه لفريق صوت السلام قائلا: "الناس لا يعلمون الحقيقة الكاملة، وبعضهم يقول إن الألتراس مجرمون، وآخرين يرونهم ضحايا، وكل منهم يتبنى وجهة نظر سياسية أو اجتماعية ما، وعلى أساسها يحدد رأيه في الألتراس، أيضا للإعلام دور سلبي علينا، فالإعلام بوق للطرف القوي، وفي هذه المعادلة من يستخدم العنف ضد الألتراس يستخدم الإعلام كوسيلة للتشهير والتهديد أيضاً".

يقول محمد عبد الموجود، محامي: صدر قانون جديد يسمى قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017، ولكن القضايا التي تم الحكم فيها في ظل القانون القديم لن يعاد النظر بها، وطبقا للقانون الجديد يتم معاقبة المتهمين بالحبس أو بالحبس والغرامة معا، ويطبق على قضايا التعصب الكروي والشغب داخل الاستاد.

وفي تصريح خاص لصوت السلام أضاف محمد رشوان، محامي شهداء مذبحة بورسعيد، أن "القانون الجديد يعاقب كل جريمة على حدة، فعقوبة حمل الشماريخ الحبس لمدة 6 شهور إضافة إلى غرامة مالية، وعقوبة اقتحام المدرجات الحبس لمدة تتراوح بين 6 شهور و3 سنوات وغرامة مالية، وإهانة مشجع داخل المدرج عقوبتها غرامة مالية، بينما عقوبة إنشاء روابط رياضية مخالفة لأحكام القانون، الحبس لمدة تتراوح بين يوم و3 سنوات، وإذا تبين أنها تستخدم في غرض إرهابي يتم المعاقبة بالحبس لمدة 3 سنوات، وقبل إصدار القانون الجديد كان المتهمون يحاكمون بقانون العقوبات الذي أعطى للنيابة مساحة لتفسير القضية حسب أهوائها - على حد قوله - ومن الممكن اعتبار رابطة رياضية معينة من الروابط الإرهابية ومعاقبة قائديها بالسجن المشدد، ولكن في القانون الجديد أقصى عقوبة هي الحبس لمدة 3 سنوات، وطالبنا النيابة العامة بتطبيق القانون الجديد في التعامل مع المشجعين المحبوسين على ذمة تحقيق قضايا الشغب، لأنه لم يطبق عمليا حتى الآن.

وتابع المحامي محمد رشوان: ترافعت في أكثر من 50 قضية خاصة بالتعصب الكروي أبرزها قضية "شهداء مذبحة بورسعيد"، وقضايا ألتراس النادي الأهلي، وبعض قضايا ألتراس "وايت نايتس" مثل قضية استاد الدفاع الجوي التي أجلت إلى 18 أغسطس، أما قضية مذبحة بورسعيد فقد استمرت طوال الـ7 سنوات الماضية، وتباينت درجات الأحكام حسب الأعمال المنسوبة لكل متهم، فمن تبين أنه قتل أصدر حكم عليه بالإعدام، ومن هاجم المشجعين عوقب بالسجن المؤبد، وأصدر حكم ببراءة بعض المشتبه بهم.

وتقول مي محمود، طبيبة أمراض نفسية: الأشخاص الذين يتعصبون للكرة لديهم مرض نفسي، قد يصل أحيانا إلى التطرف، ويتم علاجهم عن طريق العلاج المعرفي الذي يعتمد على تصحيح المصطلحات، وتعديل العلاقة بين الفعل ورد الفعل، من خلال جلسات تتم على يد معالج نفسي متخصص، بهدف مساعدة المريض في تفسير طريقة تفكيره السلبية، وتغييرها إلى أفكار إيجابية، وتستمر مدة تتراوح بين 3 و6 شهور حسب استجابة كل مريض للعلاج، ويجب تجاهل المتعصب في لحظات الانفعال، لأنه يكون في حالة اضطراب نفسي.

ويقول مصطفي سعيد، 30 سنة: أنا كنت منضم لألتراس "وايت نايتس"، ولكني انسحبت بعدما أدركت أن بعضهم اتجه إلى تيار التعصب، وبالنسبة لأحداث الشغب فهي موجودة في عدة بلدان مختلفة مثل إنجلترا، فهي لا تقتصر على مصر فقط، وعلينا وضع حد للتعصب الكروي بدلا من معاقبة الشباب الذين يقومون بأعمال شغب دون توعيتهم، لأن البعض يظن أن المحاربة من أجل النادي يثبت الولاء له، لذلك يجب على الإعلام نشر الوعي بخطورة أعمال العنف بدلا من شحن الجماهير سلبيا مثلما حدث قبل مباراة النادي المصري والنادي الأهلي في بورسعيد، حيث قامت بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي بنشر منشورات أقلقت الجماهير وأحدثت ضجة دون سبب.

"الإعلام هو أساس التعصب الكروي، وبعض الصفحات الرياضية على مواقع التواصل الاجتماعي تشتم الفرق الأخرى التي لا تتفق مع ميولها الرياضية بهدف زيادة التفاعل على الصفحة، دون وجود رقابة على المنشورات، مما يسبب مشكلة بين المتابعين قد تصل إلى تعدي البعض لفظيا، وفي صفحة Ahlawy إذا تعدى أحد متابعين الصفحة على متابع آخر أتحدث معهم للتهدئة من الجو الانفعالي، وإذا استمر الشخص المتعصب في الخطأ، أزيله من الصفحة لأن التعصب ليس على علاقة بالأخلاق الرياضية"، هكذا بدأ مصطفى عبدالمنعم، أدمن صفحة "Ahlawy"، حديثه لصوت السلام وتابع: "في الأحداث المهمة مثل مذبحة بورسعيد، نبادر بمعرفة سبب الواقعة ومن وراءها، بهدف نقل حقيقة واضحة للمتابعين، وأيضا للتهدئة من روعهم، حاليا نعمل على وضع برنامج توعية ضد التعصب الكروي من خلال إعلانات نقوم بنشرها على موقع أهلاوي”.

يقول محمد صلاح، صاحب مقهي: "أقوم بالفصل بين جماهير فريق عن الآخر أثناء المباريات، لأن رد فعل بعض الأشخاص يغلب عليها الانفعال، مثل قول ألفاظ بذيئة عن أحد اللاعبين أو الحكام، وأعطيت تعليمات للعاملين بالمقهى بترك الزبون المتعصب دون تدخل، وفي نهاية المباراة أتحدث معه بهدف إقناعه بخطورة هذا السلوك لتغيير أفكاره المتطرفة، واقتنع كثير من هؤلاء إلا أن البعض ظل متشبثا بهذه الأفكار عن التشجيع، ومن حين لآخر أتحدث إلى المتواجدين بالمقهى لتوعيتهم بضرورة التمتع بروح رياضية، وحرية التعبير عن الرأي دون التدخل في الرأي الآخر لأن "اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية"، والأضرار المعنوية التي حدثت نتيجة التعصب الكروي أكبر من الأضرار المادية.

وأضاف محمد عبد القادر، 57 سنة: "قديما لم يكن هناك روابط رياضية التي يطلقون عليها اسم الألتراس، وكنا نشاهد مباريات كرة القدم دون انفعال، بخلاف التعصب الموجود حاليا الذي لم يعد على الكرة المصرية إلا بأضرار مثل منع دخول الجماهير إلى الملعب في المباريات بقرار من اتحاد كرة القدم، وإن كنت مشجعا لفريق ما فذلك لا يعطيك الحق للتخريب مثلما يفعل مثيرو الشغب الذين ليس لديهم هدف كروي، وإذا طلب ابني الانضمام إلى رابطة رياضية لن أوافق خوفا عليه من الذهاب في تيار التعصب.

"الكرة للمتعة مش للتعصب، ولازم نعمل زي الدول المتقدمة اللي بتستمر في تشجيع اللعيبة حتى لو خسروا بهدف رفع روحهم المعنوية، وكمان الفرق الرياضية بتسلم على الفرق المنافسة بروح رياضية عالية، لأن الكرة يا غالب يا مغلوب"، هذا ما قاله أحمد السيد، 21 سنة، عن التعصب الكروي.