فقدتك في الثورة

الخميس 01 يونيو 2017 07:02 م
image
تضغط على زر نشر، لرفع منشور مكتوب داخله أنها وصلت لميدان التحرير، ترد عليها إحدى صديقاتها قائله: "إيه ده إيه التفاهة في الثورة؟! وإزاي؟"، ابتسمت "دينا" ذات الـ17 عامًا، لأنها تعلم أن صديقتها تراها تافهة لا تفكر سوى في الطعام والنوم فقط، دون أن تفكر في مستقبلها، أو مذاكرة الدروس، ولكنها جاءت إلى هنا مع خالها الذي تحبه، خاصة أنهما قريبان في العمر من بعضهما البعض، "كريم" خالها يبلغ من العمر 20 عامًا، وتلقبه "دينا" بـ"الكبير"، وتتعامل معه باعتباره صديقها. يوم 2 فبراير 2011، نظرت "دينا" لخالها وقالت: "إيه يا كبير؟ إيه النظام؟"، فأجابها: "دينا.. مش ناقصة هبلك، خدي الأمرو بجد، إحنا بنثور دلوقتي ضد النظام، وبنهتف عشان نحقق مطالبنا، لأن الهتاف والمظاهرات حق من حقوقنا، ودلوقتي تركزي وتقولي معايا".. ثم يبدأ هتافهما، فينظر إليهما من حولهما، مرددين خلفهما "عيش، حرية، عدالة اجتماعية". وبعد مرور ساعة من الهتاف، وتصوير "دينا" للمظاهرات، وتسجيلها لصوت الهتافات وهي منبهرة، قال لها خالها أثناء التصوير: "يلا عشان ناكل أو نشرب حاجه"، فتجيبه "دينا" بعصبية: "صوتك داخل في الفيديو وكده الفيديو باظ"، ضحك "كريم" ليثير غيظها، ثم ذهبا معًا إلى أحد المحلات لشراء فطائر، جلسا معًا على أحد أرصفة شارع محمد محمود، وقال لها خالها وسط تناولهما للطعام: "عارفة يا دينا نفسي في إيه؟"، فقالت له: "نفسك في إيه يا كبير؟"، فقال "كريم": "نفسي أشوفك بنت ناضجة، وعقلك كبير، وتبعدي عن حياتك العادية دي، وتبقي شخص مؤثر في الكون". نظرت له "دينا" في صمت، خاصة أن "كريم" عادة ما يكرر عليها هذا الحديث، فتقبله منه، ولكن هذه المرة كرره "كريك" بنبرة تختلف عن المرات السابقة، وهي لم تستطع تفسير ذلك، فوضعت رأسها على كتفه في خوف. تستمر هتافات المتظاهرين، الذين قرروا أن يكملوا هتافهم في شارع محمد محمود، ترى "دينا" كاميرات الكثير من المراسلين، الذين جاءوا للتغطية، ولكن ما لفت نظرها أكثر هو صدق "كريم" في الهنتاف، ثم شعرت بالخوف من ارتفاع صوت الهتاف، أمسكت بيد خالها، وقالت له: "ما تيجي نروح يا كريم"، فأجابها: "لسه بدري، لو عاجبك الجو واقتنعتي بأهداف الثورة هجيبك هنا كل يوم"، فأكملت: "أنا خايفة"، ليرد عليها "عاوزك راجل"، فصمتت واستمرت في الهتاف مع الأخرين. "كريم هو في إيه؟.. إيه الخيول والجمال اللي في الميدان دي؟!"، رد "كريم": "مش عارف"، تطورت الأحداث، وبدأت الخيول في دهس المتظاهرين، حالة من الذهول داخل الميدان، "دينا" تجذب "كريم" من يده وتجري به خارج شارع محمد محمود، ولكن زاد عدد الجمال، ولم يستطع كلالهما الخروج من الشارع، كان جل ما يشغل "كريم" هو حماية "دينا"، ولكنه فوجىء بخيل سريع قادم نحوها ويرغب في مهاجتها، يفاديها "كريم" فيدهسه الخيل، تقف هي في ذهول، وتراه غارقًا في دمائه على الرض، تجر جسده إلى حائط الجامعة الأمريكية، وتقف باكية بجواره،"كريم قوم يا كريم".. رددتها "دينا" وهي بجواره داخل مستفى القصر العيني، جالسة على أرض طرئة المستشفى، ورأس كريم على قدميها، عدد كبير من المصابين داخل المستشفى، يملئون الغرف والممرات، أصيبوا أيضًا في تلك الواقعة، حتى جاء الطبيب لـ "دينا" وكشف على "كريم"، ثم قال لها "البقاء لله". وفي نفس اليوم الموافق 2 فبراير عام 2017، جلست "دينا" بميدان التحرير، تتذكر "موقعة الجمل" كما أطلق عليها، وتفاصيل الحادث، الذي فقدت فيه خالها "كريم"، جلست بجوار سور الجامعة الأمريكية، وفتحت مذكرتها الخاصة وكتبت بها "أردت أن تراني ناجة يا كريم، وأردت أن أكون رجل، وأن أصبح من المؤثرين، وأنا حاليًا محامية ناجحة ومشهورة، أعرف أمور القانون، وأعلم الإنسانية حقوقها، الحقوق التي كان أول ما عرفته عنها هو حقي في التظاهر والهتاف، كما قلت لي، صرح أكثر نضجًا يا كريم عقب الثورة، لا أعلم كيف حدث ذلك، ولكن الثورة صدمتني في كل ما يحدث خاصة ما حدث لك، كنت أريدك معي الأن، ولكن كفانا أنك شهيد عند الله، وأنك ذهبت للعالم الآخؤ وأن مؤمن بفكرة الثورة.. أحبك". ثم أغلقت المفكرة، وهي تنظر للمكان من حولها، وتتذكر مشهد قتل خالها، فتأخذ نفس عميق ثم تبتسم.

موضوعات متعلقة