إبداع| ليست أمي فقط

الثلاثاء 21 مارس 2017 03:56 م
image
أضع جسدي على سريري بعد أن استغرق الولدان في النوم، ثم أتذكر أن غدًا هو "عيد الأم"، فهو يوم جميل تحبه كل أم لأن أبنائها يقدمون لها العديد من الهدايا، ويحتفلون بها ويغرقونها بالقبلات، وأفكر في أمي بمناسبة هذا اليوم بشكل مختلف، وأقضي "عيد الأم" بشكل مختلف. أغمض عيني لحظات في محاولة للنوم، ولكن تلاحقني ذكريات عندما استيقظت في منتصف نومي في الثالثة صباحًا، على صوت أمي وهي تتقيأ دماء، فهي مصابة بفيروس سي، وكانت تنام نادرًا، وفيروس سي الذي أصيبت به يمكن تناقل العدوة به عن طريق الدم، ذهبت إليها وسألتها: "إنتي كويسه يا ماما؟"، ردت: "أنا بخير يا حبيبتي أدخلي إنتي نامي". وكررت سؤال آخر عليها: "أجي أساعدك في تنضيف المكان؟"، لتجيب علي وهي توقف حركتي تجاه حمام منزلنا قائله: "لا يا بنتي ابعدي عشان ما تتعديش"، فأجيبها بحب: "لا مش مهم"، لتنهي هي حديثنا قائله: "ادخلي نامي يا بنتي". ثم أفيق من خيالي وذكرياتي على صوت زوجي وهو عائد من العمل، ألقيت عليه التحية، ثم ذهبت لإعداد العشاء، لأعود مرة أخرى لنومي، وبينما أنتظر الطعام الذي بدأت في تدفئته، تذكرت يومًا آخر كان أبي يعلمني فيه أنا وأشقائي ونحن صغيرات بحب، كما تذكرت أكثر يوم زفاف أبي وأمي، وعندما أصيبت بصدمة تطورت إلى جلطة بالقلب، ويوم ذهبنا لأقربائنا لنقترض منهم أموال لدفع حساب المستشفى، لأن والدي لم يسأل عنا حتى إن مرضت إحدانا، كما تذكرت كل لحظة حب جميلة قضتها مع والدي، وأنساها سريعًا لأنه كان يقضي هذا الوقت معنا فقط، أما في الأوقات الصعب كالمرض والاحتياجات لم نراه. "يا نهار أبيض البطاطس أتحرقت!!".. رددتها بداخلي بعد أن خرجت من عالم ذكرياتي، واضطررت لإعداد عشاء آخر، وضعته لزوجي، ثم خلدت للنوم وأنا أعلم جيدًا أنه لانوم سيأتي، فهي ليلة الذكريات هكذا اسميها، لأنني في نفس اليوم كل عام يعيد عقلي تلك الذكريات تلقائيًا. "يا أنسة.. يا أنسة والدتك عايزه شتوفك".. قالتها إحدى الممرضات، فجريت سريعًا إلى غرفة أمي بالمستشفى وأنا أبكي، نعم أعلم أنها اللحظات الأخيرة، لأن أمي تعاني من هذا المرض منذ سنوات، دخلت غرفتها ففوجئت بإبتسامة مرسومة على وجهها فور رؤيتها لي، ثم قالت: "بحبك، وكنت بحس إن أنا اللي بنتك مش العكس"، ثم سمعت بعد جملتها الرقيقة، صوت جهاز القلب اللعين الذي طالما تمنيت ألا أسمعه. ومشهد أبي وهو يبكي في جنازة والدتي، شعرت وقتها أنه ندم على كل لحظة تركها وقت حاجتها إليه، ثم سألت نفسي "ماذا سيفيد ندمك الأن يا أبي؟"، لن يعيدها الندم، ولن يمحو صورة الأب السلبي في عقلي، لقد تركت أمى تموت ببطء بسبب مرضها، وتركتها في أشد الأوقات التي كانت تحتاج إليك فيها، كما أنك لم تقم بدورك أثناء تجهيز اتياجات زواج شقيقاتي، تركتها لأنك أردت شبابها الذي استنزفته فقط. "ما تطلقي يا ماما".. رددتها شقيقتي على مسامع وادلتي عندما رأتها تبكي للمرة العاشرة على التوالي، وقتها نظرت أمي لشقيقتي ويعناها يسكنها الضعف، وقالت: "بحبه ومينفعش أتخلى عنه مهما حصل"، فقلت لنفسي "بتحبيه!، ده هو اللي أتخلى عنك"، ولم أكن أرغب وقتها في زيادة الهم بداخلها. ثم بدأت التحايل على النوم وأنا اقول لنفسي: "إنتي جنبي، وعارفه كويس عشان تحسي بيا في كل لحظة، عشان كده هقولك إني بحبك، ومشتاقة لكي كتير، شكرًا على كل وقت كنتي فيه راجل البيت، رغم كل اللي عمله بابا، شكرصا على حبك، شكرًا لوجودك دايمًا وقت الجد، شكرًا لكونك الأم الحقيقية اللي عافرت وتعبت عشانا، حتى في وقت ضعفها، شكرًا على كل الأوقات اللي خوفتي عليا فيها من إني أتعدي من المرض اللي صابك، وكنتي بتمنعيني عشان أساعدك، كل سنة وإنتي معايا بروحك".. ثم أغلقت عيني بعد مسح دموعي، التي سالت على وجنتي، وبدأت في النوم على أمل أن أراها في أحلامي.

موضوعات متعلقة