"أصعب تصوير ده ولا إيه؟"

الخميس 14 ديسمبر 2017 05:00 م
image
بعد عودتي إلى المنزل، أفتح "تويتر" لأكتب تغريدة "أصعب تصوير ده ولا إيه؟"، عادةً "توتير" يشاركني كل ما يحدث في حياتي، أكتب فيه كل ما يخصني، وكل المواقف التي تقابلني طوال اليوم، أكتب فيه مطالبي ومشاكلي، يشاركني مشاعري كلها، ولكن المشاعر اليوم مختلفة تمامًا، مشاعر بدأت منذ نزولي من البيت.
 
نزلت الشارع الذي أقوم بالكتابة عنه وعن المشكلة الموجود به، أفتح الكاميرا بكل هدوء، وبمجرد رؤية الناس لها بدت نظرات الاستغراب على وجوه العابرين، والجريء منهم تكلم وسألني "انتي تلفزيون ولا إيه؟ "، وضحت لها من أنا، ولكن هذا ذكرني بشيء آخر ـ ذكرني بيوم أوقفتني فيه امرأة عندما كنت أصور مع أحد البائعين الجائلين قائلة "انتي تلفزيون، انتي بتصوري ليه؟ لا متصورينيش، متصورينيش وإلا هاخد منك الكاميرا اللي في ايدك دي، واحنا بناخد منكم أيه غير الكذب؟"، "أكيد دلوقت هتروحي تنزليها وتقولي دول بيضايقوا الناس في الشارع".
 
تذكرت هذا اليوم بشكل جيد، فهمت وقتها نظرة الناس للصحفي، إما أن ينظروا إليك على كونك من "تليفزيون”، أو مراسل تابع لأحد الإعلاميين، وإذا كان أحدهم يكره أي إعلامي أو إعلامية، يخرج كرهه هذا فيك، أو ينظرون لك كأنك خائن وعميل وجاسوس كبير، وكل من له حق عند جهة يقرر أن يأخذه منك.
 
أحيانًا ينظر إليك الناس وأنت تتحدث معهم على أنك قاضٍ تحكم بالعدل، أو أنك شخص يرعب من حوله، أو ينظرون إليك على أنك لا تفعل أي شيء بحياتك سوى كتابة الأخبار الكاذبة، تذكرت في مرة قال لي شخص في الشارع أثناء تغطية صحفية : "وبعدين بعد ما تنزلي وتكتبي عن اللي حصل، هتعملي إيه؟" حاولت أن أشرح له أن دوري هو نقل الواقع فقط، ولكنه صمم على رأيه.
"تيييييييييييييييييييييت، تيييييييييييييت"، أفوق من غفلتي وذكرياتي برد "إيه فيه إيه؟"، تعبر السيارة بعد أن اكتشفت أني أعطلها، أرجع للتركيز فيما أريد، أبدا في التصوير لكن ألحظ أن الكاميرا تجعل الجميع ينظر لي، وقد تجعلني في خطر، أغلقها، وبمجرد ضغطي على زر "OFF"، أكتشف وجود شخص أمامي، طويل وعريض، يسلك أسنانه بيده وينظر لي نظرة سخيفة، ويسألني "فيه إيه يا عروسة؟"، "أنا بصور يا فندم، محتاج أي حاجة "، يكمل تسليك باسنانه ويرد" انتي مين انتي ؟"، ارد بابتسامة عسى أن لا يضايقني "أنا صحفية من مطبوعة صوت السلام، مطبوعة بيكتب فيها شباب من سن12 سنة لسن 17 سنة، أنا بعمل موضوع عن الشارع هنا ومشكلته المرورية،فيقول "طب ما تصوريش ويلا امشي من هنا".
 
الجميع يعتقد أنني أمارس شيئًا خاطئًا، أرتكب جريمة عندما أصور أو أكتب عن شيء، لا يعلمون أنه عمل مثله مثل عملهم، تصوير الأشياء والأماكن والأفعال التي أكتب عنها، مثلها مثل الدكتور عندما يطلب التحليل من المريض ليتأكد من تشخصيه، سماع الآراء من الناس، يشبه القاضي عندما يسمع شهادة الشهود، لا أشبه نفسي بهم، ولكن في الحقيقة أنا أفعل كما يفعلون، أمارس عملي وأتخذ إجراءات فيه ليكون أكثر جودة ومصداقية.
 
بعد مرور ساعتين، كنت قد التقطت الكادرات المطلوبة، أضع السماعات في أذني، وآخذ طريقي للبيت، أسمع ولكني لا أبالي بالموسيقي ولا أركز معها، أفكر، كيف تهاجم خدمة تقدم لهم؟ الصحافة تعتبر خدمة، لولاها ولولا الإعلام لما عرف الناس أي شيء عما يحدث في العالم وفي بلدهم وفي مدينتهم، "الصحافة" كالأكل والماء، تعطيك شيء مختلف لا يستطيع أي شيء بالحياة إعطاءك إياه، الصحفي نفسه مؤرخ، يسجل لك ولأبنائك ولأحفادك التاريخ.

موضوعات متعلقة