"المؤسس".. في البدء كان النحو

الأحد 10 يوليو 2016 07:13 م
image
"رَجَعْتُ لِنَفْسِي فَاتَّهَمْتُ حَصَاتِي وَنَادَيْتُ قَوْمِي فَاحْتَسَبْتُ حَيَاتِي.. رَمَوْنِي بِعُقْمٍ فِي الشَّبَابِ وَلَيْتَنِي عَقِمْتُ فَلَمْ أَجْزَعْ لِقَوْلِ عُدَاتِي.. وَلَدْتُ وَلمَّا لَمْ أَجِدْ لِعَرَائِسِي رِجَالاً وَأَكْفَاءً وَأَدْتُ بَنَاتِي.." أبيات من قصيدة كتبها الشاعر الكبير "حافظ إبراهيم" مطلع القرن الماضي، حيث تندب اللغة العربية جهل المتحدثين بها، وبمرور الزمن ربما لم يتغير الحال بل باتت اللغة تعاني من جهل حتى طلاب الجامعة بقواعدها. ويرجع هذا من ناحية إلى جودة التعليم المدرسي، الذي لا يَعني بشرح اللغة التي تتسم بقواعدها النحوية المتشعبة والغزيرة شرحا وافيا، ومن ناحية أخرى إلى عدم وجود الحافز لدى طالبي العلم أنفسهم."سمير رفعت" مدرس لغة عربية، ٢٥ عاما، ولد في مركز "سندوب" التابع لمدينة المنصورة، استشعر حجم الأزمة، وبدأ التفكير في إيجاد حلول من خلال تدشين مبادرة لتعليم تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات قواعد اللغة العربية، النحو، أطلق عليها اسم "المؤسس". بدأ "رفعت" تنفيذ الفكرة، المعنية بـ"تأسيس" الطالب في كل فروع مادة اللغة العربية، في عام ٢٠١١، بعد ثورة ٢٥ يناير، من خلال عمل مجموعات من الطلاب، وشرح ست حصص مجانية في فرع النحو. في البداية كانت الإمكانيات بسيطة ومقتصرة على تصوير ورق به شرح مبسط لقواعد النحو، واتخذ من منزله مكانا لهذه الحصص. أفضل من المدرسة "أنا لا أنتمي لأي حزب سياسي أو اجتماعي" قالها "رفعت" لتوضيح هدفه الذي يلخصه في خدمة الطلاب للمساعدة في تقدم التعليم المصري. وفي نفس الوقت قد تكون للمبادرة كذلك تأثيرها الإيجابي عليه، لأن العمل قد يتيح له جمع الخبرات النظرية والعملية الهامة حول أفضل طرق تدريس النحو العربي. وبالطبع فإن تلاميذه وتلميذاته سيستفيدون من تطويره أساليب تدريسه. "ناهد محمد"، إحدى الطالبات المستفيدات من عمل "رفعت"، تعرفت على مبادرة المؤسس من صفحة المبادرة على موقع "فيسبوك" وحضرت حصص نحو وخط وقراءة وتعبير. تقول "ناهد": "استفدت من دروس (رفعت) أكثر من استفادتي من المدرسة بسبب الاهتمام بالشرح. وهو ما وافقتها عليه "سلمى خالد"، طالبة أخرى مستفيدة من مبادرة "المؤسس". إن المدارس المصرية الحكومية عادة ما تهتم بالتلقين بدلا من الفهم والتفكير النقدي. الخدمة المجانية.. وتحدياتها بدأ "المؤسس" عمله بطالبين فقط، ومع مرور الوقت ازداد عدد الطلاب حتى وصلوا إلى عشرين طالبا. لم يقف صاحبها بتقديم خدماته عند أبناء المنصورة فقط، فمن خلال صفحة المشروع على "فيس بوك" وصل "رفعت" لخدمة الطلاب في المحافظات الأخرى. حيث يقدم "رفعت" على الصفحة شرحا للنحو بواسطة صور و"فيديوهات". لم يَزد فقط عدد التلاميذ، بل لقد اتسعت كذلك رقعة الدورات التي يقدمها سمير رأفت. فقد بدأ مؤخرا في تقديم دورات لتحسين مهارات التعبير ومهارات الكتابة. أصدر أيضا كتابا للنحو من البداية إلى النهاية بيعت منه طبعتان وجاري إصدار الطبعة الثالثة بالإضافة إلى نسخة إلكترونية في صيغة Pdf. ويؤمن "رفعت" بمجانية الخدمة التي يقدمها قائلا: "هذا حق للطالب على المعلم، عرض علي البعض مقابل مادي لكني رفضت. يرى في برنامجه التعليمي بديلا للدروس الخصوصية، التي تستنزف موارد الأسر الفقيرة بالفعل بلا رحمة. مواجهة الدروس "الخصوصية" تشكل أزمة لأولياء أمور الطلاب المحاصرين بين سوء التعليم في المدارس الحكومية والتكلفة الاقتصادية المرتفعة للدروس الخاصة. وهو ما يبرر أهمية مبادرات مثل "المؤسس". تقول "منى صالح"، ربة منزل، إنها تتمنى وجود العديد من هذه المبادرات نظرا لاستغلال المدرسين وارتفاع تكلفة الدروس الخصوصية. فيما تحدد "آلاء محمد "، ٢٣ عاما، حديثها عن "المؤسس" قائلة: "إنها مبادرة تستحق الاهتمام من حيث تأثيرها الإيجابي على الطلاب، وتستحق احترام ودعم الأهالي. فكرة "رفعت" أبهرت عددا من زملائه في مجال التعليم وتطوع عدد منهم لمساعدته بإعطاء بعض الدروس للأطفال، يقول المؤسس: "بعض المدرسين يحاولون مساعدتي بالحضور والشرح للطلبة ويكون ذلك بشكل تطوعي، كما يقدم بعض الأساتذة في كلية التربية يد العون لي سواء في مراجعة المناهج والكتب التي أقوم بكتابتها في علم النحو أو تطويرها". تعددت المبادرات والهدف واحد تعد نسبة الأمية المرتفعة واحدة من أهم المشكلات التي تواجه مصر وتقف عائقا أمام تنميتها، حيث تبلغ نسبة من لا يعرفون القراءة والكتابة حوالي ٣٠ في المائة من إجمالي السكان بحسب إحصائية أجريت في عام ٢٠٠٦، يضاف إليها نسبة أخرى يطلق عليها "أمية المتعلمين" وهو المصطلح الذي يشير إلى مجموعات كبيرة من طلاب المدارس الذين لا يجيدون القراءة والكتابة نظرا لسوء العملية التعليمية . تظهر مشكلة الأمية بشكل أكبر في الريف عن المناطق الحضرية، حيث يزيد الفقر وتقل قدرة الأهالي على دفع مصروفات المدارس والتكفل بمتطلبات الدراسة. وهو الأمر الذي يزيد من أهمية مبادرة "المؤسس" والمشروعات المماثلة لها. فبينما يعمل "رفعت" على "تأسيس" طلاب المنصورة والمدن المحيطة بها في اللغة العربية وفروعها المختلفة، كانت هناك مؤسسات أضخم حجما تعمل على دعم التعليم في مصر في جوانب أخرى مختلفة. تعمل مبادر "مصر الخير" على محو الأمية في محافظات مصر المختلفة، والاهتمام بتعليم السيدات خاصة في صعيد مصر، نظرا لتجاوز نسبة الأمية بينهم ٧٠٪، ومواجهة أزمة التسرب من التعليم. وبحسب بياناتها قامت "مصر الخير" بمحو أمية ٥٢ ألف شخص خلال ستة أشهر، وساهمت في توفير فرص عمل لـ٤ آلاف شاب وفتاة. من جانبها تعمل مبادرة "علم بالقلم"، التابعة لجمعية "قبس من النور" الخيرية، على تعليم طلاب الابتدائية القراءة والكتابة لمواجهة "أمية المتعلمين بالقرى والعشوائيات"، وتمكنت، بحسب بياناتها أيضا، من محو أمية ١٥ ألف طالب في محافظه القليوبية. أربع سنوات.. و٨٠٠ طالب أربع سنوات، هي عمر مبادرة “المؤسس، استطاع "رفعت" خلالها رفع مستوى الكثير من الطلاب في اللغة العربية، من خلال تدريب ما لا يقل عن ٨٠٠ طالب، من مناطق مختلفة بالدقهلية ومحافظات أخرى. وخلال هذه السنوات لم يتوقف "رفعت" عند محاولة الوصول إلى طلاب المدارس الذين يحتاجون لخدماته في منازلهم فقط، بل انتقل إلى مدارسهم أيضا. ففي قرية "سوسة"، إحدى قرى مركز نبروه التابع لمدينة المنصورة، تعرض الطلاب لاختبارات أسبوعية لتحديد مستواهم في اللغة العربية وتجميل الفصول وتكريم الطلاب المتفوقين بشهادات تقدير. وهو ما أدى في النهاية إلى وصول طلاب هذه المدرسة الحكومية إلى مستوى طلاب المدارس الخاصة في اللغة العربية، بحسب "رفعت". يتمنى "المؤسس" أن يزيد اهتمام المدارس الحكومية بالطلاب، وأن تكون في مستوى مماثل للمدارس الخاصة، وأن تتوسع مبادرته وتنضم لها مبادرات أخرى لتزويد الطالب بالمعرفة الحقيقية، قائلا: “إن التعليم حق دستوري، طبقا للمادة ٢٧، ونحن لا نقدم لهم إلا حقهم".
image image image image image image image