"لم أعد أنا"

الخميس 14 ديسمبر 2017 04:15 م
image
وحدها في غرفتها جلست تفكر بشرود، كيف حدث كل هذا؟ كيف سمحت لهم أن يفعلوا كل ذلك؟ وكيف وافقت أن يدمروا لها أحلامها؟ من هم؟ وهل كان من حقهم هذا؟ أم هي التي جعلتهم يشعرون أنه من حقهم أن يفعلوا هذا بها؟

كل هذه الأسئلة تدور في دماغها في آن واحد، لم تكن حتى تعرف على أي منها تجيب، بدأ الصوت يعلو في رأسها، كانت الأسئله سريعة أسرع من قدرتها على الإجابة، ملأ التشويش دماغها، وما زال الصوت يعلو، كائن 100 شخص يتكلمون في آن واحد، بدأت تشعر بتوتر، وصداع كاد يفتك بدماغها، ثم وضعت يدها على رأسها وصرخت "بس"، ثم… سكت هذا الصوت وأغلقت عينيها.

لم تفتحهما إلا حين سمعت آذان الفجر، أحست براحة بعض الشيء، ونهضت للصلاة، ولكن الأسئلة لم تختف من رأسها، بقت تفكر وهذه الأسئلة لم تسكت، حتى وهي في الصلاة، فقررت أن تخرج من الصلاة، بعدما أحست بأنها مشوشة وغير خاشعة، كانت ترى أنها إذا أكملت الصلاة بهذا الشكل، فهذا لا يصح ولا يليق.

هي بطبعها فتاة متدينة من عائلة جيدة، تعمل موظفة بأحد فروع المصانع الكبيرة في القاهرة، ولكن هذا لم يكن مُرضٍ لها، فهي كانت فتاة طموحة تهوى الكتابة، وتسعى وراء كتابة أول رواية لها، كان هذا الحلم يلاحقها، ومازالت تتمنى تحقيقه، ولكن هذا الحلم قد تاه في وسط زحمة الحياة، فمن بعد تخرجها بدأت تطاردها فكرة الزواج، في كل مكان وأينما تذهب لا تسمع سوى بعض الجمل الحمقاء السطحية التي غرضها الوحيد هو مضايقة الناس، وخرق خصوصيتهم، كانت تسميهم "جمل اللتاتين" وكان أكثر ما يستفزها جملة "مش هنفرح بقى"، كانت دائما بعد ما تسمعها تقول في نفسها "أنا مش هتجوز مخصوص عشان ما تفرحيش"!

بعد تخرجها قررت أن تعمل، بحثت وبحثت، حتى وجدت العمل المناسب لها، أو هذا ما كانت تظنه، كانت دائما تشعر أن هناك شيء ينقصها، وأن الأمور ليست بخير. وعندما كانت تحكي لأمها عن هذا الشعور الذي لا يفارقها، كانت تفسر لها أن هذا الشعور سببه عدم الاستقرار، والاستقرار في قاموس أمها يعني الزواج، والحصول على الزوج المناسب. هذا التفسير لم يكن مرضٍ لها، لم تقتنع أن كل ما ينقص حياتها رجل، كانت تشعر أن ما ينقصها تحقيق هدف أو شيء ما ولكنها لا تعرف ما هو هذا الشيء.

فكرت في أن تخبر صديقاتها عن هذا الشعور، ولكنها تفاجأت بنفس الرد، ونفس الكلام. لن يسد فجوة النقصان داخلها سوى رجل، أو بمعني أصح "عريس". فكرت أنها ربما تكون على خطأ، ربما يكونوا محقين، وبعد عدة أيام تقدم لها عريس، ففكرت في أنه ما المانع من أن تتم خطبتها، فربما يكون "الفارس المنتظر".

مر وقت وكان وقتًا كافيًا لتحبه، وتتعلق به، كان شابًا جيدًا، ولكن مازال هناك حاجز يمنع فرحتها من الاكتمال، وإذ به شعور النقص يطاردها من جديد! ماذا تفعل؟ سمعت كلام كل من حولها، سمحت لهم بأن يغيروها، ويغيروا فكرها، نجحوا في أن ينسوها حلمها، فعلت كل ما طلبوا وبعد كل هذا لا فائدة. توقفت لحظة، وقالت في نفسها: سمعت الجميع ولم أسمع نفسي، سألتهم ولم أسألني، لم أبحث عن حلمي بجد، ثم جاء في عقلها شيء، أناره كالشمس عندما تنير الظلام، تذكرت أنها كانت تسكت على كل ما يضايقها، قررت أن ترد على أي عبارة لا تعجبها، قررت أن تحقق حلمها الذي طالما سعت وراءه، وعرفت أن ما ينقصها ليس رجلًا، ما ينقصها هو صناعة كيان خاص بها غير مرتبط برجل، وأن تجعل لنفسها شخصية قوية مستقلة، قررت أن ترجع لنفسها مرة أخرى، وعرفت أنه لن يعيدها لنفسها سوى الكتابة، فقررت أن تسعى وراء حلمها القديم، وأن تكتب روايتها الأولى بعنوان "لم أعد أنا".

موضوعات متعلقة