آباء وأمهات دار المسنين.. الجزاء من جنس العمل

الأحد 26 نوفمبر 2017 08:25 م
image
صورة تعبيرية عن المسنين
عقب وفاة الأب، أدخل الابن والدته دار مسنين، يزورها كل فترة، ولكن في إحدى المرات، تلقى مكالمة هاتفية من دار المسنين، تخبره أن والدته تحتضر، فذهب مسرعًا ليراها قبل أن تغادر الحياة، وعندما رأها قال لها: "قولي لي ماذا تريدين يا أمي لأحققه لك"، فأجابته: "أريدك أن تضع مراوح هوائية داخل دار المسنين، لأنهم يعانون من عدم وجودها، وأن تضع ثلاجات لحفظ الطعام، فأكم من ليالي نمت بها دون طعام" باستغراب يقول الابن: "ولكنك لم تشتك من قبل يا أمي، أتطلبين ذلك وأنتي تحتضرين"، قالت الأم بحزن بدا على صوتها: "نعم يا بني لم أشتك لأنني تأقلمت على شدة الحرارة والجوع ولكن خشيت عليك ألا تتأقلم عليهم، عندما يأتي بك أبناؤك إلى هنا عندما تبلغ من العمر أرذله".
كان هذا آخر ما قالته "أم حسن" لفلذة كبدها، قبل وفاتها عن عمر يناهز 78 عاما، ويروي قصة الأم، مالك دار المسنين التي عاشت بها سنوات، الأستاذ مجدي سالم قال: "أم حسن كانت أما لجميع المتواجدين بالدار، وجاء بها ابنها إلى الدار منذ 12 عاما، عندما عجز عن الاعتناء بها وفقًا لقوله، وهو عكس ما قالته الأم، التي ذكرت أنه جاء بها للدار تلبية لرغبة زوجته، الرافضة لخدمة والدته، وحرصها عن أن تصبح الشقة التي يقطنون بها ملكًا لها وحدها، كان ابنها يزورها كل فترة، وكانت تدعو له، ولم تكره زوجته، كانت (أم حسن) سيدة متدينة، حريصة على عدم ترك فرض".
يكمل مالك الدار: لم نعرف الكثير عن حياة "أم حسن"، قبل انضمامها للدار، ولكن وافتها المنية هنا، وطلبت رؤية ابنها قبل وفاتها بساعات قليلة، وطلبت منه عدة أشياء، وعندما تجب مما طلبته قالت له "أضف تلك الاحتياجات للدار، لتنعم بها عندما يأتي بك أبناؤك هنا عندما تكبر"، فخرج الابن باكيًا، والجميع يدعون عليه، ولم يحضر جنازة والدته، التي توفيت عقب رحيلة بساعات قليلة.
وبأحد غرف الدار يعيش أيضًا "الحاج صلاح" المعروف بـ"أبو شريف"، الرجل الكبير البالغ من العمر 72 سنة، الأب لكل من (شريف، سحر، محمد)، لا يفعل شيئا في يومه سوى التعبد والاستغفار، وبسؤاله عن وجوده في الدار يقول: "أقولك إيه يا ابني ولا إيه!، عن ظلم ولادي ولا قسوتهم، أنا مش زعلان، لأني كنت عارف إن ده هيحصل في يوم من الأيام، زي ما عملت مع أمي زمان، ورميتها في الشارع، وكنت بضربها كمان، ربنا يا ابني مش بيسيب حق حد حتى لو كان تحت التراب، والدنيا داين تدان، والجزاء من جنس العمل، أنا مش عايز حاجه دلوقتي غير إن ربنا يغفر لي، وأموت وهو راضي عني، وما أتمناش إن ولادي لم يخلفوا ولادهم يعملوا فيهم كده لما يكبروا".
يتابع "عم صلاح"، في أحد الأيام حدثت مشكلة بيني وبين أمي، وأخرجتها من المنزل، ولكن هذه المرة لم تعد مرة أخرى كعادتها، عقب انتهاء كل مشكلة، بل ذهبت للعيش مع شقيقتها، وسعدت بذلك، وظننت أنني هكذا أخيرًا ارتحت منها ومن رعايتها، عاشت أمي مع شقيقتها 4 سنوات، وتوفيت دون أن أراها، أو أطلب منها أن تسامحني على ما فعلت، ومنذ ذلك الوقت وأن أعلم أن الله لن يرحمني.
مرت الأيام، وعاش "عم صلاح" مع أبنائه، دون أن يتزوج عقب وفاة زوجه، وهي في 65 من عمرها، تزوج ابنه الأكبر، وعمل معه في مخبزه، وعن ذلك يقول "عم صلاح": "ابني كان بيعاملني وحش، ومكنتش مستغرب لأني ربيتهم على كده، لما كنت بضرب أمي قدامهم، بس مكنتش متوقع خالص إنه يقدر يقنع إخواته إنهم يجيبوني دار المسنين هنا!".
ورغم إقامة "عم صلاح" بدار المسنين، لا يزوره أبناءه، أما هو فيداوم على نصح زوار الدار بضرورة الإحسان إلى أسرهم، ومراعاة الله فيهم، حتى يرضى الله عنهم، راجيًا أن يسامحه الله على كل ما فعله.
وفيما يتعلق بزائري الدار يقول الأستاذ يوسف زكي، الذي يعد من الزوار الدائمين للدار، ويبلغ من العمر 42 سنة، أتعجب من هؤلاء الذين يتصرفون بهذا الشكل مع أسرهم، خاصة أن الأم هي الحب الثابت الذي لا يتغير، الجميع يتغيرون ولكن هي لا، لا يشبهها أحد في الوجود، وإن رحلت لن يعوض وجودها أحد، لذا لا أصدق ما يفعله مثل هؤلاء بأمهاتهم وأبائهم!.
ويضيف "يوسف"، كان جدي يقول لي دائمًا: "كل ما تسعد أمك ترضى عنك الحياة، ولما يرضى عنك أبوك وأمك وأهلك، الجميع يرضى عنك، ويحترمك، ويكفي إن أمك تدعيلك كل يوم، دي الجنة تحت رجليها، فإزاي ما تراعيهاش وتقدرها!".