ما أجمل الجنون

الثلاثاء 31 يناير 2017 07:06 م
image
تستيقظ يوميًا في الصباح الباكر في نفس الوقت، تذهب للعمل الذي تكرهه، تسير في الشوارع المزدحمة ذاتها كل يوم كأسيرة قيدتها الحياة، لتمنحها لقمة العيش، ثم تعود إلى منزلها البسيط مرهقة من العمل. تطهو الطعام، وتنظف المنزل، فهي وحيدة بعد وفاة والدها ووالدتها منذ أن كانت طفلة صغيرة، وليس لديها أقارب في بلدتها سوى عمها، الذي تولى تربيتها، وتوفى منذ 6 سنوات، وشعرت بعد رحيله أنها أتعس إمرأه تعيش على وجه هذا الكوكب المعقد. يقتلها الروتين كما قتل الكثيرين، جعلتها متطلبات الحياة كالإنسان الآلي، الذي يعمل بلا راحة، فقط لكسب بعض الأموال. لم تعش كآدمية تستمتع بحياتها، وتصغي لمشاعرها، وتمرح، وتلعب، فيا لتلك الحياة القاسية، التي قتلت كل شئ. إلا أنها صاحبة الخطأ الأكبر، لأنها لم تدرك أن الحياة قصيرة جدًا، وكانت تتبع عدة قواعد تعلم أنها لا تناسبها على الإطلاق، ولن تحقق لها السعادة يومًا ما، فنمت بداخلها جروح تصرخ لتعالجها. ذهبت ذات يوم إلي العمل، الذي كان شاق جدًا عن أي يوم آخر، كان هناك الكثير من الأشخاص عن الأيام الأخرى، فظلت تعمل وتعمل، دون أن يلاحظ أحد وجهها التعيس، إلى أن طفح بها الكيل، وتركت العمل في منتصف اليوم، لأنها لم تعد تحتمل الإنتظار لثانية واحدة داخل هذا السجن. سارت كالطفلة التائهة لا تعلم إلى أين تذهب، حتى أخذتها أقدامها إلى شاطئ البحر. الذي وقفت أمامه تفكر وتسأل روحها، هل تعيش كإنسانة أم أنها تتنفس فقط لتثبت أنها على قيد الحياة؟، وهل تلك هي الحياة التي خُلقنا لأجلها؟، فما يحدث حرفيًا قتل للنفس، وانتحار في الخفاء، وفي تلك اللحظة أدركت أن غلطتها أنها لم تكسر القيود، وتمزق الأربطة، وأن غلطتها الكبرى أنها لم تسمح لنفسها بالجنون قليلًا، وتركت الروتين يسيطر على حياتها كالشبح الأسود. ظلت تتسائل شاكية وباكية على ما أهدرته من عمرها في هذا النمط المعيشي القاتل. وقررت منذ تلك اللحظة أن تفعل ما تحب، حتى إن وصفها العالم بأنها مصابة بالجنون. وما هو الجنون؟ وما هي المعايير التي يمكن أن نحكم بناءً عليها أن أحدهم مجنون أو عاقل؟!. إن كان الشخص متحفظًا، فهو يعمل ثم يعود لمنزله، ويعد الطعام، ويتناول ثلاث وجبات يوميًا، وينظف المنزل، ويحافظ على أناقته 24 ساعة، ينام في أوقات محددة، ويستيقظ في معاد محدد للذهاب للعمل، ويكرر الأمر ذاته كل يوم، ولكن أهذا هو الشخص العاقل؟!. إنه الإنتحار بعنيه، حتى وإن كنت سعيدًا بهذا النمط في الحياة، يومًا ما ستموت تلك السعادة، وستدفنها بيديك. الجنون أفضل لك من أن تتحول لإنسان آلي، تحركه الحياة كورق الخريف، الذي تسقطه الرياح.

موضوعات متعلقة