إبداع| التنورة.. رقصة الحياة

الثلاثاء 28 فبراير 2017 05:20 ص
image
ذات يوما في أسرة من أب وأم وابن اسمه "مازن"، كان الأب والأم يمتهنون الطب، وكانا يحبان ابنهما الصغير حبا لا يوصف، لأنه الوحيد كان مدللا كثيرا وكان أبواه يريدانه أن يصبح طبيبا مثلهما، ومازن كان يريد ذلك بالفعل لأنه كان يحب أسرته ويطيع والديه. من عادة هذه الأسرة الجميلة الخروج كل يوم خميس في مكان لتستمتع بوقتها، وللترفيه عن مازن ابنهم الجميل الذي لا يزيد عمره عن 15 سنة، ذهبوا إلى مول كبير لشراء ما يريدونه، ولتناول الطعام، وخلال ذلك لفت نظر مازن إعلان كبير معلق عن حفل لولد يقدم عروض التنورة. مازن لم يكن يعلم هذا النوع من الفن، وكانت أول مرة يسمع عن التنورة، وتمسك بالذهاب إلى الحفلة، وعرف ميعاد الحفل حيث يقام الخميس، وأكمل السير مع والديه، وقضوا يوما جميلا، وعادوا إلى المنزل، ودخل حجرته وبحث عن معلومات حول ذلك الفن الذي يدعي رقص التنورة، وقرأ أنها رقصة مصرية ذات أصول صوفية، وحركاتها دائرية، وكأنهم يرسمون بها هالات اعتقادهم، يدورون ويدورون كأنهم الكواكب السابحة في الفضاء. كان مازن مذهول، ومتحمس للذهاب إلى هذه الحفلة، ورؤية ماذا يحدث، ولكن المشكلة الكبيرة هي كيف سيخبر والديه بهذا الموضوع، وأنه يريد أن يذهب إلى تلك الحفلة، لأنه يعلم أن الإجابة ستكون الرفض، لأنها بالنسبة لهم تضييع للوقت، ولكنه أخذ الخطوة، وذهب إلى أمه وأخبرها أنه يريد حضور ذلك الحفل، وأنه يتمنى فقط أن يرى هذا الولد وهو يرقص، ولكنها رفضت وقالت له: لا يا مازن نحن نفعل لك ما تشاء ولكن إن كان مفيدا لك، وما تطلبه هذا تضييع لوقت مذاكرتك، ولكن مازن استمر في محاولة إقناع أمه وقال لها إن الحفل سيكون يوم خميس، ونحن نخرج يوم الخميس، وهذا اليوم الذي نذهب فيه للاستمتاع يا أمي، فاقتنعت أمه وجعلت أبيه يوافق. فرح مازن فرحا شديدا وكان ينتظر يوم الخميس بفارغ صبره، وجاء الخميس، اليوم المميز لدى مازن، استيقظ مازن في نشاط وسعادة وذهن صاف، وكلهحماس ليذهب إلى العرض.. حان وقت الحفلة فذهب مع أسرته، ودخل قاعة الحفل، وكان لديه رغبة شديدة في معرفة من يكون هذا الولد، وكيف يرقص، وأسئلة كثيرة في ذهنه. بدأ العرض، وبدا الاستمتاع يظهر على وجه مازن، والتركيز الشديد في تفاصيل الحركة، وكيف يدور الراقص بهذه السرعة المهولة دون أن يفقد توازنه، وكيف يحرك قدميه، ورأسه، وجسده.. كان مبهورا بذلك الولد، وكأنه اكتشف ما هو سر سعادته الحقيقية، وأخذ يدقق في ملامح الولد الذي يرقص ويسبح، وكأنه دخل معه دوامة تسحبه بسرعة رهيبة في هذه اللحظة. مازن كان يشعر أنه الذي يدور داخل هذه التنورة المبهجة، وانتهى العرض، وكان هذا العرض بالنسبة إلى مازن حلم جميل وانتهى، أو لحنا هادئا على صوت رقيق حساس وذهب، وبعد انتهاء العرض ذهب مازن ليلتقي بذلك الولد وتكلم معه، وقال له إنه يريد تعلم ذلك الفن الرائع، وأنه أحبه بشدة، واتفقا على لقاء يوم الخميس التالي، وحددا العنوان وتصافحا، وسأله مازن قبل أن يغادر: ما اسمك؟، فرد: سيف، فأجابه: أنا مازن وسعيد جدا بمعرفتك يا سيف. رجع مازن مع أسرته إلى المنزل، وهو سعيد، ودخل حجرته يفكر في كيف يقول لوالدته إنه سيذهب يوم الخميس القادم لسيف، ولكنه قال لنفسه إن قلت لأبي وأمي سوف يرفضا ومن المستحيل أن يقبلا فذهب لهما بعد تفكير طويل، وقال إن أستاذ اللغة العربية غير موعد الحصة يوم الخميس بدلا من الثلاثاء فصدقا، وذهب مازن بعد ذلك إلى حجرته حزينا لأنه لأول مرة يكذب عليهما. أتى يوم الخميس، وذهب مازن إلى المكان، وقابل سيف، واندهش مازن، وقال إنه مكان جميل ملئ برسومات راقصي التنورة، وموسيقى صوفية وجو هادئ يريح النفس، وأخذ يتعلم كيف يدور ويتمكن من فعل الشيء الذي أحبه أسبوعيا، وبالفعل احترف هذا النوع من الرقص، وفي يوم قال سيف لمازن إنه سيعقد حفل مهم أريدك معي لتقدم موهبتك، لأنك موهوب بالفعل وتستحق تلك الفرصة. صمت مازن لبرهة، وقال: يا الله أنا في قمة فرحي لسماع ذلك الخبر لكن كيف سأخبرهم في المنزل، فرجع البيت وقال لأبيه وأمه الحقيقة من بداية الأمر، وكانت صدمة كبيرة لهما، فكيف لهذا الولد المطيع الهادئ الوديع ذهب ولم يعد، وحزنا بالفعل حزنا شديدا، لأنهما كانا يريدانه طبيبا ناجحا مثلهما، وقال أبيه في عصبية شديدة سوف لن ترى الشارع لمدة شهر كامل، وستجلس تذاكر دروسك فقط. بكى مازن كثيرا، وكان يقول لنفسه: لقد ضاعت فرصتي وضاع حلمي، وعاد لحياته العادية، وبعد أيام تعجب سيف من عدم تواصل مازن معه، واستنتج حدوث خطب ما.. سيف كان يحب مازن كثيرا ويريده أن يكمل معه، فذهب سيف إلى أسرة مازن، وحدثهم عن مدى حب ابنهم، وسعادته حين يرقص، وكم هو موهوب ومبدع في ذلك الفن، وقال لهم علي تلك الفرصة، وبعد أن ذهب سيف دخلت أمه، وتكلمت معه، وأدرك والديه ما يريده. والدة مازن فاجأته وقالت له حضر أشيائك لتؤدي العرض هذه فرصتك، عانق سيف أمه وذهب ليشارك في الحفل بحضور جماهير كبيرة، وحين صعد على المسرح تذكر أول مرة كان يحضر فيها عرض لسيف حين رأى وتخيل نفسه في تلك الدوامة، وكأنه للمرة الثانية يدخل بها، ويعلم أنه لن يخرج أبدا.

موضوعات متعلقة