إبداع| بخيتة

الاثنين 01 مايو 2017 04:17 م
image
" أسموني بخيته علشان يوم ما اتولدت أبويا إدولو أرض في اللي بيسموه قانون الإصلاح الزراعي". في ظهيرة أحد أيام صيف عام 1952 ولدت أنا، السابعة بين أخوتي. كان أبي يطمح في ولد آخر بعد أخي الوحيد، لكنه لم يحزن كحزنه عند ولادة إخوتي الفتيات الأخريات،فقد غمرت فرحة حصوله على الأرض على نبأ مولدي. تمر الأيام مثلما تمر المياه في ترعه قريتنا, الساعة السادسة صباحًا تبدأ الحركة في منزلنا، العديد من الأقدام تدخل وتخرج، بعض إخواتي يذهبن لإطعام الدجاج، وأخريات يساعدن أمي في إعداد الطعام ,وأنا أتابع المشهد من على سلم منزلنا بجانب ألعابي في دهشة، ولا أجد فرصة للحديث مع أحد إلا إلعابي. وعندما تبدأ آشعة الشمس الحارقة في الهدوء، تبدأ نساء القرية وأمي إجتماعن بمنزلنا،ليتحدثن عن أحوال أهل القرية، من سافر؟ ومن خسر بضاعته؟، ولا تخلو زيارة من جملة توجهها إحدى النساء لوالدتي: " عاوزين نخاوي الواد". عندما أصبحت في السابعة عشر، خرجت بصحبة إبنة عمي لتنهنئة "زينب" بنت العمدة لحصولها على شهاده البكالوريا، كم كانت سعيدة وهي تحدثنا عن علمها التي تعلمته، وكم هي سعيدة لتجهيزنفسها للالتحاق بمدرسة المعلمين. شردت لدقائق لأفكر، كم كنت أتمنى الإلتحاق بالمدرسة، لكن طلبي وقع كالكارثة علي العائلة، فقد أجمع الرجال على الرفض، وكم من مرة قالت نساء العائلة "معندناش بنات تبات برا البيت. وصلت لسن العشرين، كنت جالسة في إحدى الغرف مع بعض فتيات العائلة، دخلت أمي وعلى وجهها فرحة غامرة لتقول لي " مبروك يا بخيتة "، لم أعرف لماذا تهنأني، إلا وأنا أرتدي فستان الزفاف. مرت خمس سنوات، لدي الآن طفلين، "علي" ثلاث سنوات، و"عبدالله" أو كما يطلق عليه أهل القرية "عبده" وقد أتم عام ونصف من العمر، كان زوجي "رمضان" يعمل في إرضه الخاصة، وكنت أساعده،وبصرف النظر عن حياتنا الروتينية، فقد كنت سعيدة بهذه الحياة , وفي أحد الأيام، بينما كنت أعد الطعام، جاء رمضان إلى المنزل وهو علي لسانه جملة "جهزي العيال هنعيش في مصر ". توقف عقلي، ماذا؟، سنترك القرية ونذهب للعيش في القاهرة، كيف شكلها وطباع الناس فيها؟، هل مثلما وصفته "زينب" بنت العمدة؟، أم أنها تقل كل شئ ؟. كنت أجلس في السيارة مع أبنائي، ها قد وصلنا القاهرة , كنت مندهشة من كل ما أراه، ما هذه السيارات؟، الشوارع الضيقة، المنازل متجاورة "زي علبة السردين " ،قلت لنفسي ما الذي فعلته بحقي وحق أبنائي؟، كيف تركت عائلتي وأصدقائي لأعيش هنا؟ ,لكن لم يكن لدي خيار آخر، كم من مرة كنت أستمع لجدتي وهي تقول لخالاتي " جوزك مطرح ما يروح إنتي معاه" ،فهو أمر واقع يجب الاعتياد عليه. تمر الأيام والسنوات، يلتحق أبنائي بالمدرسة ثم الجيش، لم أكن حزينة عند إلتحاقهم بالجيش كباقي نساء الحي، فقد كنا في العام 2006 ،ولا يوجد ما يثير القلق، كنت أتعجب من كونهم قلقين، فلسنا في حالة حرب مثل 67 أو 73 ، حينها كنت أسمع صرخات أمهات قريتي عندما تأتيهن أنباء موت أبنائهم في الحرب، ولكن دوام الحال من المحال. تمر الأيام،ها قد قاربت علي بلوغ سن الستين، ومازلت في هذا الحي، بعلاقات ليست بسيئة مع الجيران، أصبح زوجي قعيد الفراش، فقد أهلكه العمل في مصانع الأسمدة، أما "علي" فأتعجب على اهتمامه الشديد بالسياسة والأخبار، ومداومته الجلوس أمام التلفاز لفترات طويلة، بينما "عبده" مهتم بالرياضه، وكم من مرة تأخرنا علي موعد العشاء بسبب تأخره في لعب ـحد المباريات مع اولاد الحي. إلى أن كانت تلك الليلة، حيث كنت جالسة في شرفة المنزل، أشاهد المارة ،وسمعت أصواتاًغريبة، ولم يمر وقت حتي أتت مجموعة من أصدقاء ابني "علي " وهم يرددون " البقاء لله يا ام الشهيد " ، لم أفهم شيئاً إلا مع عودتي من قريتي بعد دفن ابني الذي مات من أجل أشياء لا أفهمها.. حرية وكرامة وعدالة إنسانية، لم افهم أي شئ سوى أن ابني مات من أجلها. عدت إلى القاهره مرة أخرى، تمر الأيام، لكن لا تختفي صورة "علي" كلما جلست في هذا المنزل ، بعد شهور قليلة، خرج إبني عبدالله لمشاهدة مباراة كالعادة، كنت سعيدة لإنه يحاول تجاوز أزمة موت أخيه بفعل أشياء للترفيه عن نفسه , لم أفق إلا وأنا في قريتي، أدفن عبدلله بجوار أخيه، مات فيما أسماه الناس " أحداث بورسعيد ،" عدت إلى القاهرة مرة أخرى دون أبني الثاني هذه المرة، دخلت إلى المنزل، ولم أجد علي وهو يطلب مني شاي العصاري أو عبدلله لكي أطلب منه أن يخفض صوت التلفاز وهو يشاهد المباريات كل لا فقد يوقظ والدهمن النوم بهذا الصوت المرتفع، قد حسمت الأمر وقررت أن أعود إلى قريتي، فذكريات اولادي موجودة بكل ركن في المنزل. دخلت إلى الغرفة لأتحدث مع رمضان في قراري، وجدته نائمًا فحاولت إيقاظه، لكنه لم يستيقظ، بل ذهب لمقابله أبنائنا وتركني. بعد موت رمضان تغيرت فكرتي عن رجوعي للقريه فقد أصبحت بمثابة قبر كبير لا أزوره إلا لدفن أحبابي. عشت وحيده في منزل في القاهرة وكم كانت تمر الأيام بصعوبة، أبشع من أيام لم نكن نجد فيها أي طعام ليأكله أولادي، وفي إحدى الأيام وبينما كنت في السوق، سمعت إحدى النساء وهي تنظر إلي بشفقة وتتحدث مع صديقتها "ربنا يعينها بقت مقطوعه في الدنيا " لم أتحمل هذه النظرات وكلمات الشفقة التي كانت تتردد على الألسنة، فذهبت للمنزل واتصلت بأحد اقربائي لأطلب منه زيارتي الخميس القادم فقد قررت العودة إلى القرية. وفي يوم الخميس وصل الي منزلي وعدت الي القريه في نعش لادفن بجوار عائلتي.

موضوعات متعلقة