إبداع| احتراق

الاثنين 01 مايو 2017 04:03 م
image
الغرفه مظلمة لا ينيرها سوى شعاع ضوء صادرمن قرص القمر، الظاهر عبر النافذة الرياح في صراع مع "درفة الشباك الخشبية"، التي أخذت تقاوم ضرباتها ببسالة رغم مفاصلها المتهالكة، وخشبها الذي جار عليه الزمن، ورأى منه ما رأى ولكن الرياح كانت الخصم الأقوى، فأعلن الشباك راية الاستسلام لضربات الرياح، وأفسح لها المجال لتدخل في جولتها الثانية مع خصمها الثاني، وهو الستائر، التي كانت حددت موقفها منذ البداية، وأعلنت كرهها للحرب، فاستسلمت وأخذت تنساب بهدوء مع الرياح، دون أن تظهر أي مقاومة، وبدأت الرياح تتسرب إلى الغرفة بكامل قوتها وشجاعتها، وكأنها تحتفل بانتصارها على خصميها منذ قليل. صوت الرياح وشكل القمر المكتمل أضفى على المشهد سحرًا خاصًا ليبدو وكأنه أحد مشاهد أفلام الرعب الأمريكية، فلا ينقص المشهد سوى أن يظهر مصاص الدماء، أو أن تسمع عواء أحد المستذئبين، أو أن تبرق السماء فأجد بجانبي أحد "الزومبي"، الذي قرر أ يتخذ رأسي كوجبة عشاء في تلك الليلة. أجلس على سريري أتابع المشهد بهدوء تام وقد قررت أن أدعم الستارة في موقفها، وأفسح للرياح المجال للتجول في الغرفة كما تشاء دون أن أزعجها. وسط هذا المشهد أخي نائم على السرير أمامي بهدوء. أسندت راسي إلي الحائط ومرت أمامي بعض الذكريات فسمحت لها بالمرور في عقلي، دون أن يحدث لها صدام مع أي تفكير آخر داخل عقلي فتصبح النتيجة صداع كالعادة. أتذكر أمي الحنونة، التي سكنت قلبي وأحتلته منذ النظرة الأولى لها، أتذكر احتضانها لي وتمشيطها لشعري الذي يصبح في يديها مثل الصلصال فتشكله بسلاسة ومهارة بتسريحات رائعة، وضفيرتها المفضلة لي دائمًا. أتذكر رائحة طبق الملوخية اللذيذ، الذي برعت أمي في صنعه دون أن ينافسها أحد، أما أبي فهو فارس أحلامي الأول، ومحقق جميع طلباتي، أبي الذي لا تخلو جيوبه عند عودته من الخارج من الشيوكلاتة والحلوى، أتذكر حكاياته لي قبل النوم التي لا يحلو لي سماعها من أحد غيره، وكم حزنت عندما كانت تحكيها لي جدتي وأمي، وكيف كنت أقول لهم وأنا أخرج لهما لساني أن يرويها أفضل منهما، وأنهما غير قادرات على حكي القصص، ولكن أكلهما لذيذ وشهي. وأتذكر أخي ولعبنا معًا، ولعبة الغميضة، التي كنت ماهرة بها، وكيف كنا نتسابق فيفوز هو دائمًا، ولكن في المرة التي تليها يغمز أبي بعينه لأخي فيتركني لأفوز، ورغم علمي بهذا الإتفاق كنت أفرح وأذهب لاحتضان أبي وأنا أخرج لساني لأخي الذي يتظاهر بدوره بالحزن. وهكذا جدتي التي كانت دائمًا تعطيني بعض الجنيهات، وتخبز لي البسكويت الرائع، ولكن قطع حبل ذكرياتي طرقات الباب، أسأل من الطارق ولكن دون إجابة،كررت سؤالي وليتنني لم أكرره لانني سمعت صوت اخي من وراء باب الغرفه انا اسمع صوت اخي رغم انني اراه نائما علي السرير امامي . اغلقت عيناي وتمنيت ان يكون ذلك مجرد حلم عندما افتح عيني ولكنه لم يكن. صوت دقات قلبي المتزايدة ينافس صوت طرقاته، أنظر أمامي فأراه نائما يتنفس بهدوء، وبشكل رتيب لا يتماشى مع الموقف إطلاقا، في تلك اللحظة دار بعقلي فكرتين الأولى: إما أن أذهب لفتح الباب وأواجهه في الخارج أيا كان من هو، والثانية: أن أوقظ أخي. تشجعت وذهبت لفتح الباب ودموعي تتساقط وقلبي يدق كمنبه غاضب يحاول إيقاظ صاحبه، تحسست مقبض الباب وأنا أحاول كتم شهقات بكائي. فتحت الباب ولكن لا أحد في الخارج، خرجت إلى صالة البيت، المشهد بالخارج كالأتي لا ينير الصالة سوى ضوء أبيض خافت، وصوت الشيخ عبد الباسط عبدالصمد يقرأ سورة "يوسف" عبر "الكاسيت" ، وأمي ترتدي ملابس سوداء وعيناها منتفختان أثر البكاء، ودموعها تنهال كنهر جار لا يتوقف، أبي يقف بجانبها ويحتضنها ويبدو عليه الإرهاق. حاولت أن أتسائل ولكن بدا وكأنني سراب، تجولت في الصالة و لفت إنتباهي جريدة بدت أنها ليست لليوم، أوراقها مهترئة بسبب دموع أغرقت حبرها، وفي الصفحة الأولي وبخط عريض كتب "احتراق قتاة وأخيها في غرفتهما والسبب مجهول". لم يلفت شىء إنتباهي سوى صورة تلك الفتاة، اللعنة ألم يجدوا صورة لي أقبح من تلك لينشروها!.

موضوعات متعلقة