السؤال

الثلاثاء 17 يناير 2017 06:18 م
image
لم أكن يومًا من الفتيات اللاتى يغرمن بالأطفال أو يحببن اللعب معهم، ولطالما ظنت صديقاتى أننى "مشروع بنت وفشل"، لأنى لا أمتلك حس "الأمومة المبكرة" الذى لديهن. لا تفهمون ما أقول بشكل خاطئ، فأنا بإمكانى الاعتناء بالأطفال وتحمل مسؤولية كائن آخر غير نفسى لكننى لا أحب الاعتناء بهم أو اللعب معهم من أجل الطاقة الإيجابية التى ينشرونها. وبالمناسبة أنا لا أدرى أين توجد تلك الطاقة الإيجابية. ولا أحب الأحضان، وهو أمر تعايشت معه منذ زمن طويل ولا يضايقني، وإن كان يضايق غيرى من المقربين. لكن الله أنزل فى قلوبهم إمكانية الصبر على ما ابتلاهم به. وعلى تحملهم لوجودى بحياتهم. يشاء القدر فى أحد أكثر الأوقات حرارة خلال هذا العام، أن أفرغ زجاجة المياه التى فى حقيبتى بعد حصة خصوصية فى مادة الرياضيات، وبعد أن شربتها بسرعة شعرت بعطش أكبر. والشمس تحرق الناحية اليسرى من وجهى بعد آذان العصر. وكان من الطبيعى أن يبدو الشارع فارغا عصر يوم السبت وأغلب المحلات مغلقة لكون يوم السبت إجازة رسمية، أو لأن الباعة على الأرجح ذهبوا لصلاة العصر، لذلك أسلمت أمرى لله وقررت السير فى الشارع الفارغ حتى أجد مواصلة أو مبرد مياه لأملأ زجاجتى وأروى عطشي. مشيت قليلا ووجدت حارة ضيقة تظللها العمارات، سرت فيها احتماء من الشمس، جذب انتباهى شكل أحبال الغسيل بأحد الشقق، التى كان منشورا عليها عباءات سوداء. وسألت نفسى هل تمر العائلة بحالة وفاة حديثًا؟، أم ربما هذا منزل سيدة مسنة تجد الوقار فى ارتداء اللون الأسود؟. لا أعلم. وجدت فى نهاية الحارة مبردا للمياه، أوشكت أن أسجد لله شكرا عليه وأقبل الأرض عندما تأكدت أنها لم تكن هلوسات من الحر والإرهاق. ملأت زجاجتى وشربت. وملأتها مرة أخرى ولكن بعد أن وضعتها فى حقيبتي، وقبل أن التفت سمعت صوتا لطفل يقول: "يا أبلة! ". التفت للطفلِ لأنه لم يكن بالشارع غيرنا: "بتكلمني؟"، أومأ برأسه، فظننت أنه أحد الأطفال التى تنام بالشوارع، كان هزيلا يرتدى ثيابا مهترئة وقديمة. ولم تبد عليه مظاهر النظافة. تلقائيا وضعت يدى فى جيبى لأبحث عن "فكة" لأعطيها له لكنه قاطعنى قائلا: "انتى بتروحى مدرسة؟." هززت رأسى مؤيدة له: "أيوة بروح" سألنى بتشوق: "هى حلوة؟"، و"هى عادية" كان كل ردي، ثم أردفت: "إنت بتروح مدرسة؟". ظهر الاضطراب على ملامحه للحظة، ثم هز كتفيه كما لو أنه لا يدرى بما يجيب، وربما فعلا لم يكن يدرى كيف يجيب. عاجلته بسؤال آخر: "عندك كم سنة؟" عد على أصابع يده ثم رفع خمسة أصابع. حينها انتابنى شعور غريب جدا، وأردت البكاء، وأن أحتضن هذا الصغير وأخبره بأن كل شىء سيصبح جميلا كما يتخيله، وأننى سوف آخذه لمدرسة الأحلام التى يتخيلها. وأقول له أنه سيصبح نابغة. لكننى لم أبكي، ولم أحتضنه، ولم أخبره بأن كل شىء سيصبح جميلا لأن هذه أكبر كذبة يمكننى أن أفكر فيها. كذلك لم أتذكر أن أعطيه "الفكة" التى وجدتها فى جيبي. وقفت فى حالة التجمد التى انتابتنى لبضع دقائق، كان الطفل اختفى خلالها من الشارع. وبقيت أحاول أن أستوعب غرابة الموقف ككل. وسألت نفسى منذ متى يحلم الطفل بالذهاب للمدرسة؟. هل هذا ما يحدث فى العالم السوي؟. أم أن شيئا ما حدث وأدى لتغيير المفاهيم الطبيعية لدى البشر؟.

موضوعات متعلقة