رأي| دوامة الاختيار

الثلاثاء 20 يونيو 2017 10:50 ص
image
تجلس على كرسى مكتبها، تلعب بقلمها بين أصابعها، تنظر بعيناها الزرقاوتان إلى تلك الورقة الفارغة، تقترب بيدها لتخط أول حرف فى تلك الورقة، ولكن يداها ترتعش فتسحبها بسرعة بعيدا عن الورقة. تقف متجهة إلى نافذة غرفتها، لتطل على الشارع الذى غرق بالمطر، تلعب قطرات المطرعلى نافذة غرفتها، فتبتسم لذلك المنظر وتسرع لاحضار كاميرا التصوير، لتلتقط صور لهذا المشهد الخلاب، ثم تهمس لنفسها قائلة: "كم أعشق التصوير"، بعد أن شاهدت من ألتقطته من صور لهذا المشهد. يأتيها صوت شقيقتها الكبرى من خلفها، لتنبهها أن موعد الطعام قد حان، تتنهد ببطئ وتجر أقدامها ذهابة إلى غرفة الطعام، وهى تعلم ما سوف يحدث بداخلها الاحداث على المائدة لأنه حدث كثيرًا. تجلس على مقعدها حول المائدة، وبعد أن استقرت فى مكانها، رفعت نظرها لترى الاشخاص من حولها، يترأس والدها رأس المائدة، وعلى يمينه تجلس والدتها، التى تتحدث مع شقيقها الأكبر "بسام"، وأمام والدتها تجلس شقيقتها الكبرى "سما"، التى بدأت فى وضع الطعام فى الأطباق المخصصة له. ثم يبدأ ذلك الروتين المعتاد، يتحدث والدها، ويوجه لها سؤاله المعتاد "لجين.. حدثيني عن أخبار مدرستك والامتحانات؟"، لتجيبة بلا مبالاة كعادتها أيضًا: "كعادتها يا أبي لا يوجد جديد". ينظر لها والدها مبتسمًا في هدوء، ثم يذكرها أن المدرسة مهمة، وأنه يتوقع منها الكثير، فهو جراح مشهور، تزوج من أشهر مهندسة فى مجال الديكور، ويذكرها أيضًا بأشقائها وكيف سارا على نهج والديهما، وأصبحوا فخرًا للعائلة كلها. تضع شوكتها على المائدة، مما أحدث ضجيجًا جذب لها أنظار أسرتها، تأخذ نفس عميق، ثم أخرجته في هدوء، ثم قالت: اسمح لي يا أبي، لا أرغب في تناول الطعام الأن". قالتها وانصرفت مسرعة نحو غرفتها، لتعود لما كانت عليه قبل خروجها منها. تجلس على مقعدها مجددًا، تمسك بقلمها وهي تحدق فى الورقة الفارغة، تلك الورقة التى يجب أن تنهيها اليوم، لتسلم واجبها المنزلى، تصرخ بصوت منخفضل قائلة: "كيف طلبوا منى كتابة ماذا أريد أن أكون عندما اكبر؟!، ما تلك السخافة؟". وتردد فى عقلها سؤال غريب يطرحه عليها الجميع وهو "ما الذي تريدي أن تصبحيه في المستقبل؟". سؤال لم تعرف إجابته حتى الأن، الجميع يتوقعون منها الكثير، ويحملون فوق أكتافها أعباءً هى فى غنى عنها، تحسد من استطاع تحديد هدفه فى الحياة، وتستعجب كيف لهم اختاروا بتلك السهولة. وتسأل نفسها هل تريد أن تصبح مثل والدها ؟، أم مثل والدتها؟، هل تريد أن تختار لنفسها طريق جديد؟ وحتى إن اختارت طريق جديد فما هو؟. تنظر إلى حائط غرفتها، الذى امتلأ بلوحات رسمتها، وتتذكر سعادتها وهى ترسم كل خط وكل تفصيلة، وتتحرك عينها لترى مجموعة الصور التي ألتقطتها سابقًا، وكيف كانت ماهرة فى التصوير، ووتذكر أنها تحب الموسيقى، ولمسها مفاتيح البيانويصنع أجمل الألحان. تنهدت ثم ألقت بجسدها على سريرها، تشعر بالحيرة والضياع، وقد يبدو هذا للبعض أمر تافه، ولا يستدعي كل هذا القلق، لكنه بالنسبة لها، وللضغط الذى تتلقاه من عائلتها، هو أمر مصيرى لها، وهي لا تعرف ماذا تفعل!، فتشعر بضياع شديد، وكانها في دوامة تسحبها إلى القاع، لتكتشف في النهاية أنها بالفعل وقعت في دوامة اختيار مصيرها.

موضوعات متعلقة